الأطعمة
الجزء ٥ · صفحة ٣٨وقد أطلق الدم في هذه الآية الكريمة وقيد بالسفح في آية الأنعام ، فقد قال الله سبحانه وتعالى فيها : ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾(1) ، ومن المعلوم أن من القواعد المشتهرة عند الأصوليين أن الإطلاق يحمل على التقييد ، وعليه فهذه الآية يحمل إطلاقها على التقييد الذي في آية الأنعام ، وهذا القول - وهو أن التحريم خاصٌ بما كان مسفوحا فقط - هو قول أصحابنا ، وإنما نقل القطب رحمه الله في الهيميان أن منهم من شذّ فقال : بأنه يحرم غير المسفوح ، وبقول أصحابنا قال جمهور الأمة ، فبذلك قالت المالكية والحنفية وغيرهم ، وإنما ذهبت الشافعية إلى أن هذا التقييد الذي في سورة الأنعام غير معتبر فيحرم الدم مسفوحا كان أو غير مسفوح ، وعدوا ذلك التقييد لغرض أن العرب كانوا يسفحون الدم فيستعملونه بعد السفح ، وعليه فالإطلاق لا ينافي التقييد عندهم ، على أنه من المحتمل أن تكون آية البقرة نزلت بعد آية الأنعام ، وآية الأنعام ليس فيها نفي لوجود محرّم ماعدا الأصناف الأربعة ، وإنما فيها نفي لأن يجد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فيما أوحاه الله سبحانه وتعالى إليه محرما غير تلك الأصناف ، وذلك لا ينافي أن يوحيَ اللهُ سبحانه وتعالى إليه بعد ذلك تحريم مالم يكن أوحى إليه بتحريمه من قبل ، وهذا القول الذي ذهبت إليه الشافعية حكى القطب عن ابن الحاجب بأن قلة نادرة ذهبت إليه أيضا من المالكية ، ولكن الإطلاق والتقييد كالخصوص والعموم ، فأينما وجد دليل مطلق ووجد معه دليل آخر مقيد فإن إلغاء القيد لا يصح ، إذ لو لم يكن القيد مقصودا لما كان معنى للتقييد ، وعليه فإذا تأخر الدليل المطلق على الدليل المقيد لم يكن في هذا التأخير ما يقتضي نسخ ذلك التقييد كما أن تأخر العموم عن الخصوص لا يقتضي إلغاء التخصيص
(1) الآية رقم ( 145 ) من سورة الأنعام .