الأطعمة
الجزء ٥ · صفحة ٤٠وقد حرم الدم في الإسلام هذا التحريم الجازم ، فلا يجوز استعماله شرباً كما لا يجوز تجميده وأكله بأي طريقة من الطرق ، وإنما حُرّم الدم في الإسلام لحكمة بالغة ، ذلك لأن في الدم ترسبات تحصل عندما تتوقف الدورة الدموية ، فعندما يموت الحيوان يذهب صفاء الدم بتوقف الدورة الدموية وتترسب في لحم ذلك الحيوان جراثيم مضرة من نفس ذلك الدم ، وإذا كان هذا يحصل في اللحم فهو أحرى أن يكون في الدم نفسِه ، فإن الدم بعدما يفصد ويؤخذ من الحيوان لا يكون له جريان كالجريان الذي يكون في العروق بسبب ضخ القلب له ، وعندئذ تترتب على استعماله تلك المضار التي تحصل في الميتة نفسها ، وذكر بعض العلماء أن الدم هو جوهر مرتكس عن الغذاء ولم يرقَ إلى الأعضاء فلذلك أشبه الميتة فكان محرما كحرمتها ، وذكر ابن تيمية وغيره أن تحريم الدم لكونه مجمع القوى الشهوية والغضبية فمن استعمل الدم قويت في نفسه هذه القوى وقسا قلبه ولم يخش الله سبحانه وتعالى وكان باطشا بالمخلوقين ، واستدل لذلك بأن الدم هو مجرى الشيطان كما ذكر عليه أفضل الصلاة والسلام في قوله ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم )(1) وهذه لطيفة تتعلق بالصحة النفسية ، كما أن الحكمة السابقة المذكورة تتعلق بالصحة الجسدية وما ذكر من ذلك مُشَاهد في أقوام الشعوب التي تعيش على شرب الدماء في أفريقيا ، فإنها شعوب قاسية لا ترق أفئدتها ولا تعرف الرحمةُ إلى قلوبها سبيلا .
وبهذا يتبين أن الدم حرام سواء أخذ من حي أو كان دم ذبيحة أو خرج من ميتة بعد موتها ، فبكل هذه الوجوه يكون الدم حراماً .
تحريم الخنزير :
الشيء الثالث الذي حرمه سبحانه وتعالى هنا هو لحم الخنزير ، ولماذا عبّر باللحم ؟ هل لأن الحرمة محصورة فيه وحده أو تتعدى اللحم إلى سائر أجزاء الخنزير كإنفحته وجلده وعظامه وسائر ما اشتمل عليه جسده .
(1) رواه