فتاوى الأيمان والكفارات والنذور والذبائح والأطعمة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الأطعمة

الجزء ٥ · صفحة ٤١

أجمعت الأمة ما عدا الظاهرية على أن الخنزير محرم وإنفحته محرمة كحرمة لحمه ، وقد حكى الإجماع على ذلك - من غير ذكر لرأي الظاهرية - كل من ابن عطية والقرطبي ، وتعقب كلامَ ابن عطية أبو حيان وسخر منه ، ولا يبعد أن يكون أبو حيان عندما ألف تفسيره البحر المحيط لا يزال متمسكا بالمذهب الظاهري ، إذ غير بعيد أن يكون تأليفه له عندما كان بالأندلس ، فإنه كان بالأندلس ظاهرياً ثم عندما انتقل إلى مصر تحول من مذهب الظاهرية إلى المذهب الشافعي ، ورد أبو حيان في تفسير هذه الآية الكريمة على ابن عطية ردا شديدا لعدم اعتداده بخلاف داود الظاهري وأصحابه في هذه المسألة ، ويفهم من كلام أبي حيان المذكور أنه يميل ميلولة ظاهرة إلى قول الظاهرية بحصر الحرمة في اللحم فقط ، وقد أخذ جمهور العلماء - الذين قالوا بأن الحرمة شاملةٌ للّحم والشحم وكل من انطوى عليه الخنزير حتى قال بعضهم يحرم من الخنزير كل ما كان في عمق عظمه إلى ظاهر جلده - أخذ هؤلاء يبررون ذكر اللحم هنا بمبررات متعددة ، وقد درج مفسرو المالكية على الاستدلال لذلك بقول الإمام مالك : إن من حلف ألا يأكل لحما يحنث بأكله الشحم ، ومن حنث أن لا يأكل شحما لا يحنث بأكل اللحم ، وهم في ذلك بانون على قاعدة غير متفق عليها فإن مالكا خولف في ذلك ، وممن خالفه الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وأحمد فعندهم من حلف بأن لا يأكل لحما لا يحنث إن أكل شحما إلا إذا كانت له نية ، وقريب من قول مفسري المالكية - بأن مدلول اللحم يصدق على الشحم - تفسير الزمخشري حيث قال : بأن الشحم داخل في اللحم لأنه يوصف به ، ألا ترى أنه يقال لحمٌ سمينٌ أي شحيم ، وقد تعقب كلامه هذا أبو حيان بأن هنالك فارقا بيّناً بين الصفة والموصوف ، فيقال : رجل لابن إذا كان عنده لبن ويقال رجل عالم إذا كان عنده علم ، ولكن إذا جرد من الصفتين فقيل رجل ، لم يفهم من ذلك أنه رجل لابن أو رجل عالم .

٣٠٦ / ٤٠٥