الأطعمة
الجزء ٥ · صفحة ٥٠ولا ريب أن ذبح الحيوان أو نحره فيه إيلام له بجانب ما يترتب عليه من تفويت متعة الحياة عنه ، والأصل في العقل والشرع منع إيلام الغير أو الإضرار به ، ولكن بما أن ذلك الحيوان هو ملك الله سبحانه وتعالى إذ هو الذي خلقه وسخره ، فإقدام الإنسان على ذبحه أو نحره إنما أحل له بحكم الله سبحانه وتعالى الذي أباح للإنسان الانتفاع بذلك الحيوان ، فمن هنا كان إقدامه على ذبحه يلزم أن يكون مقروناً باسم الله تعالى ، إشعارا بأن هذا الذبح ليس هو اعتداء منه وإنما هو بحكم الله الذي أباحه للإنسان ، لذلك شرع الله سبحانه ذكر اسمه على الذبح والنحر فقال : ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾(1) وأمر بأكل ما ذكر اسم الله عليه في قوله ﴿ فكلوا مما ذكر اسم الله عليه﴾(2) ونهى عن أكل مالم يذكر اسم الله عليه في قوله ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾(3) ، وعلى هذا فإن كل من قصد بالذبيحة التي يذبحها غير وجه الله تعالى يعد فعله حراماً ، وتكون الذبيحة مما أهل به لغير الله حتى ولو كان ذلك بمجرد النية وحدها ، وقد أدرك ذلك السلف ، ومن ذلك ما روي عن فقيه الصحابة ومفتيهم الإمام علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه- أنه أفتى في عهد خلافته بتحريم النحائر التي نحرها غالب أبو الفرزدق مفاخرة لسهيم بن وثيل الرياحي وقال : إنها مما أهل به لغير الله ، فألقيت في الفلوات وكانت مائة جزور فكانت تأتيها السباع والطير فتنهشها ولم يأكل منها أحد، لأنه لم ينحرها لوجه الله سبحانه وإنما نحرها رئاءً وفخراً ، وذكر ابن عطية من هذا الباب أنه اطلع فيما اطلع عليه عن التابعي الحسن البصري أنه سئل عن امرأة من المترفين كانت لها لُعب ، فزاوجت بين لعبها ونحرت من أجل ذلك جزورا ، فأفتى بأن ذلك مما أهل به لغير
(1) الآية رقم ( 36 ) من سورة الحج .
(2) الآية رقم ( 118 ) من سورة الأنعام .
(3) الآية رقم ( 121 ) من سورة الأنعام .