الأطعمة
الجزء ٥ · صفحة ٥٥وقد أبهم الاضطرار في هذه السورة الكريمة كما أبهم في سورة الأنعام في قول الله سبحانه وتعالى ﴿قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم ﴾(1) ، ولكنه بين في سورة المائدة في قول الله سبحانه وتعالى ﴿ فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم﴾(2) ، فالاضطرار إنما يكون في الغالب بالمخمصة (أي المجاعة) ولذلك حمل غالب المفسرين هذا الإجمال الذي في هذه الآية الكريمة والذي في آية الأنعام على البيان الذي في آية المائدة ، وذهب مجاهد إلى أن هذا الاضطرار يكون بالإرغام ، من اضطره عدو فأرغمه على تناول الميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو ما أهل لغير الله به ، وخشي على نفسه الهلاك ، فله أن يتناول من ذلك ما يدفع به شر عدوه ، وذكر جماعة منهم ابن عطية والقرطبي مثل هذا القول عن سعيد بن جبير ، وقول الجمهور أقوى ، لأن خير ما بُيّن به القرآن الكريم هو القرآن نفسه ، وذلك لا ينافي أن يكون الاضطرار المبيح لتناول المحرم يشمل الاضطرار بسبب إرغام العدو وغيره من أنواع الاضطرار ، وذكر المخمصة في آية المائدة لا ينافي شمول حكم الاضطرار لغير المخمصة ، لأن الاستدلال بذكر المخمصة على عدم انطباق حكمها على غيرها هو من باب الاستدلال بمفهوم المخالفة ، ومفهوم المخالفة تشترط حجيته بشروط منها أن لا يكون منطوقه جارياً مجرى الأغلب المعتاد ، يقول الإمام نور الدين رحمه الله تعالى :
وإن يكن مخالفاً لحكمه
فبالدليل للخطاب سمه
أثبته قوم دليلاً ونفى
قوم ثبوت الحكم منه فاعرفا
وشرطه ألا يكون مقتضى
يمنع من تخصص الحكم الرضى
وذاك نحو عادة للعرب
في نحو أن يجري مجرى الأغلب
(1) الآية رقم ( 145 ) من سورة الأنعام .
(2) الآية رقم ( 3 ) من سورة المائدة .