فتاوى الأيمان والكفارات والنذور والذبائح والأطعمة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الأطعمة

الجزء ٥ · صفحة ٦١

ومنهم من قال : بأن المقصود بالباغي هنا هو : الخارج عن طاعة إمام المسلمين ، والعادي : هو الذي يعدو على جماعة المسلمين ببطشه ويقطع السبيل عليهم ، وهو مروي عن مجاهد ، وقال جماعة من العلماء بأنه يلحق بذلك كل عاص ، فالخارج في سفر معصية كقطع رحم ، وقصد الإضرار بالمسلمين ، والتمتع بالمحرمات كالخمر والزنا ، وقصد أخذ أموال الناس بغير حق - إلى ما وراء ذلك من أنواع الأسفار التي تقصد فيها معصية الله سبحانه - لا يباح له إن اضطر أن يأكل من الميتة ولا أن يأكل من أي نوع من أنواع المحرمات ، وهذا القول هو الذي ذهب إليه أصحابنا وقالت به الحنفية ، وهو إحدى الروايتين عن الإمام مالك ، وأحد وجهي مذهب الشافعي، وهو أحد القولين المرويين عن الإمام أحمد ، ومن أهل العلم من ذهب إلى خلاف ذلك وقال : بأن المسافر الذي خرج في معصية الله سبحانه وتعالى لا يحل له بحال من الأحوال أن يقتل نفسه ، وامتناعه من الأكل من هذه المحرمات لإنقاذ نفسه إنما هو قتل لنفسه وكما يمنع الواقع في معصية أن يقع في معصية أخرى ، كذلك يمنع هذا من تعريض نفسه للتلف ، وقد خطأ ابن العربي المالكي من قال بهذا القول ، وقال : لا ينبغي أن يقال بإباحة ذلك له ، ومن أباح له فقد أخطأ ، لأن في ذلك تشجيعا للمسافر في المعصية على عصيانه لله سبحانه وتعالى ، وانتقد كلام ابن العربي غير واحد من علماء المالكية من بينهم القرطبي ، وقال بخلافه أيضا ابن خويز منداد وهو أحد علماء المالكية وقد شدد هؤلاء النكير على ابن العربي ، لأن العاصي - كما قالوا - لا يجوز له أن يعرض نفسه لمعصية أخرى وقتل النفس معصية ، غير أن الذين ذهبوا مذهب المنع قالوا : بإمكان هذا العاصي أن ينقذ نفسه بعد أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى وأن يقلع عن بغيه وعدوانه فإن التائب يباح له أن يتناول من الميتة ومن سائر المحرمات لأجل دفع ضرورته ، فمن الذي يحول بينه وبين التوبة والله يسرها له ودعاه إليها.

٣٢٦ / ٤٠٥