الأطعمة
الجزء ٥ · صفحة ٦٨ظاهر هذه الآية الكريمة أن تناول هذه الأصناف المحرمة يباح في وقت الضرورة ، ولكن بعض العلماء قالوا : إن هذه الإباحة تتجاوز إلى الوجوب ، بحيث يجب على الإنسان إذا رأى أن نفسه معرضة للهلاك إن لم يأكل أن ينقذ حياته بتناوله لهذه المحرمات ولا يكون الحكم مع تيقن الهلاك محصوراً في حدود الإباحة ، وهذا القول مروي عن مسروق ، فقد روي عنه أنه قال : (من اضطر إلى الميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو ما أهل به لغير الله فلم يأكل حتى مات دخل النار) وهذا هو الذي قال به غير واحد من علماء المالكية ومن علماء الشافعية كالكيا الطبري وهو إحدى الروايتين في مذهب أحمد ، وقال به أصحابنا من غير خلاف فيما وجدت في نصوصهم ، واستدلوا لذلك بقول الله سبحانه وتعالى : ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما * ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا ﴾(1) وبقوله تعالى : ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ..﴾(2) أما الذين قالوا بخلاف هذا القول فإنهم استدلوا بفعل أحد الصحابة رضوان الله عليهم وهو عبدالله بن حذافة السهمي الذي وقع في يد طاغية الروم فحبسه في بيت وترك معه خمرا مختلطة بالماء وترك له لحم خنزير مشويا ، فظل ثلاثة أيام ممتنعا عن تناول اللحم والخمر ، حتى انحنت رقبته من الشدة التي كان يلقاها ثم أخرج بعد ثلاثة أيام لئلا يموت ، فقال لطاغية الروم : إن الله أحلهما لي لاضطراري إليهما ، ولكنني لم أكن لأشمتك بالإسلام ، فكان امتناعه من إحياء نفسه بهما لئلا يشمت الطاغية بالإسلام ، وهذا اجتهاد من هذا الصحابي الجليل ، وما تدل عليه النصوص من وجوب إنقاذ النفس أولى بالاتباع من اجتهاد صحابي ، مع تقدير الموقف الجليل الصلب الذي وقفه أمام ذلك الطاغية العنيد .
أيهما يقدم المضطر المحرم الصيد أم الميتة :
(1) الآية رقم ( 29 ) من سورة النساء .
(2) الآية رقم ( 195 ) من سورة البقرة .