الأيمان
الجزء ١ · صفحة ٦واستشهد لهذا القول بما جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أنه قال : " لا أحلف على يمين فأجد غيرها خيراً منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها "(1) ، والتحلل إنما هو بالتكفير ، وقوله عليه الصلاة والسلام لعبد الرحمن بن سمرة : " إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيراً منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك "(2) ، فإن الحديثين يدلان على أن المشروع في مثل هذا أن يراعي الإنسان جانب البر أي التقوى والخير ، فإن كان الخير فيما حلف أن يدعه فليأت بالذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه ، وإن كان الخير في الاستمساك باليمين فليستمسك بها ، وهذا لأن البر مأمور به لذاته ، وخيره خير عام يعود إلى فاعله وإلى المفعول من أجله ، وأما المحافظة على اليمين فهي مأمور بها تعظيماً لاسم الله تعالى ، لأن من يقسم على شيء باسم الله فهو إنما يشهد الله تبارك وتعالى على أن ما قاله هو الحق ، والدليل على ذلك قوله عز وجل : " ويشهد الله على ما في قلبه "(3) ، وما كان للإنسان وقد أشهد الله على شيء أن يعدل عنه إلى غيره إلا إن كان العدول أرضى لله سبحانه ، وما النطق باسم الله في الأيمان إلا لتأكيد القول ، لذلك كانت الباء – وهي في الأصل تدل على الملابسة - هي الأصل في حروف القسم ، وتستعمل مع ذكر فعل القسم وحذفه ، بخلاف الواو والتاء ، على أن الحلف بالباء يكون في مقام التأكيد وفي مقام الاستعطاف ، بخلاف الحلف بالواو والتاء فإنه لا يكون إلا في مقام التأكيد دون مقام الاستعطاف ، فمن أجل ذلك اتضح بأن الذي يقسم
(1) رواه البخاري ، كتاب الأيمان والنذور ، باب قول الله تعالى : " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " ، رقم ( 6247 ) ، ومسلم ، كتاب الأيمان ، باب ندب من حلف يميناً فرأى غيرها خري منها ، رقم ( 1649 ) .
(2) رواه الربيع في كتاب الأيمان والنذور ، باب في الأيمان والنذور ، رقم ( 656 ) .
(3) الآية رقم ( 204 ) من سورة البقرة .