الأيمان
الجزء ١ · صفحة ٧٦ذهب بعض أهل العلم إلى أن الأيمان تراعى فيها دلالة ألفاظها فيكون البر والحنث بمقتضى تلك الدلالة ، ومنهم من غلّب العُرف والعادة ، وبناءً على هذا الاختلاف كان خلافهم في الحالف أن لا يأكل السمك فأكل اللحم ، فمن راعى دلالة اللفظ قال بحنثه لأن الله سمى السمك لحماً في قوله : " وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً "(1) ومن أخذ بالعرف والعادة قال بعدم حنثه ، لأن الناس إذا أطلقوا اللحم لم يقصدوا دخول السمك فيه ، ولا ينصرف الذهن إلى دخوله ، والقول الأول محكى عن أبي عبد الله ولعله الفرسطائي ، وصححه شيخنا أبو إسحاق إطفيش ، حفظته منه سماعاً ، واستدل له بالآية ، والقول الآخر الذي عليه جمهور أهل العلم وذكر القطب رحمه الله أن أبا عبد الله قاله في محل آخر ، إذ حكي عنه قوله : إن السمك ليس من اللحم إلا إن نواه . ثم أتبع القطب ذلك بقوله : والحق أنه منه لنص القرآن ، إلا إن نوى الحالف خروجه أو اعتاد أنه لا يسمى لحماً . والذي اختاره أن العبرة في ذلك بالنية إن كانت له نية ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إنما الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى "(2) وإن لم تكن له نية فالعرف هو المحكم ، وعليه المعول ، فإن أحداً لو أمر ولده أو غلامه أن يشتري لحماً فاشترى سمكاً لما عُدّ ممتثلاً لأمره ، وعليه فلا أرى حنثاً على من أكل السمك إن حلف أن لا يأكل اللحم ، اللهم إلا أن يكون في مجتمع يغلب عليه عرفاً إطلاق اللحم على السمك .
فإن قيل : أوليس القرآن حجة في التعبير كما أنه حجة في التشريع ؟
(1) الآية رقم ( 14 ) من سورة النحل .
(2) رواه الربيع ، باب في النية ، رقم ( 1 ) ، والبخاري في باب بدء الوحي ، رقم ( 1 ) .