فتاوى الأيمان والكفارات والنذور والذبائح والأطعمة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الكفارات

الجزء ٢ · صفحة ٤

اختلف العلماء في جماعة تشترك في قتل معصوم الدم خطأ أو عمداً – على القول بوجوب الكفارة في قتل العمد – فقيل على كل واحد منهم كفارة ، وهو قول الحسن وعكرمة والنخعي والحارث العُكلى ومالك والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي ، وعليه أكثر أصحابنا ، فقد جاء في الأثر عنهم أن المرأة إذا أمرت رجلاً أن يضرب لها خادمتها فضربها فماتت فعليهما الكفارة جميعاً يعتق كل واحد رقبة ، فإن لم يقدرا على العتق صام كل واحد شهرين متتابعين .. الخ ، وجاء في بعض آثارهم أيضاً : أن السيد إذا أمر بضرب عبده فمات من ذلك فعلى السيد كفارة ، وعلى كل واحد ممن قتله كفارة ، وكذلك من أمر به ، وقيل بل عليهم جميعاً كفارة واحدة ، وهو محكيٌّ عن الأوزاعيّ ونسب إلى أبي ثور ، وقيل بالتفريق بين العتق والصيام فإن وجدوا ما يعتقون اشتركوا جميعاً في تحرير رقبة ، وإلا فعلى كل واحدٍ منهم أن يصوم شهرين متتابعين ، وهو المحكيّ عن الزهري حيث قال في جماعة يرمون بالمنجنيق فيقتلون رجلاً : عليهم كلهم عتق رقبة ، وإن كانوا لا يجدون فعلى كل واحد منهم صوم شهرين متتابعين ، وهذا التفصيل محكيٌّ عن أبي المؤثر – رحمه الله تعالى – من أصحابنا ، وأرى أن هذا الاختلاف مبنيٌّ على اختلافهم في أصل وجوب هذه الكفارة ، فقيل : وجبت تمحيصاً وطهوراً لذنب القاتل ، وذنبه ترك الاحتياط والتحفظ حتى هلك على يديه امرؤ محقون الدم ، وقيل : وجبت بدلاً من تعطيل حق الله تعالى في نفس القتيل فإنه كان له في نفسه حق ، وهو التنعّم بالحياة والتصرف فيما أحل له تصرف الأحياء ، وكان لله سبحانه فيه حق ، وهو أنه كان عبداً من عباده ، يجب له من اسم العبودية – صغيراً كان أو كبيراً حرّاً كان أو عبداً مسلماً كان أو ذميّاً – ما يتميز به عن البهائم والدواب ، ويرتجى مع ذلك أن يكون من نسله من يعبد الله ويطيعه ، فلم يخلُ قاتله من أن يكون فوت الاسم الذي ذكر ، والمعنى الذي وصف .

٨٤ / ٤٠٥