المقتضب للمبرد محمد بن يزيد المبرد

ما لا يجوز فيه البدل

الجزء ١ · صفحة ٢٨٠

ألا ترى أن قولك: مررت بأخيك زيد إنما هو بمنزلة قولك: مررت بزيد؛ لأنك لما رفعت الأخ قام زيد مقامه. فعلى هذا قلت: ما جاءني أحد إلا زيد.

فإن قال قائل: فما بال زيد موجباً، وأحد كان منفياً، ألا حل محله؟ قيل: قد حل محله في العامل، وإلا لها معناها.

ولو قلت: جاءني إخوتك إلا زيداً لم يجز إلا النصب؛ لأنك لو حذفت الإخوة بطل الكلام، وذلك أنه كان يكون: جاءني إلا زيد. فلا يقع الاستثناء على شيء، فمن ثم بطل لفظ إلا من النصب لفساد البدل.

فمن ذلك قول الله عز وجل: " ما فعلوه إلا قليل منهم " لأنك لو قدرته على حذف الضمير، وهو الواو في فعلوه لكان: ما فعله إلا قليل منهم.

وقال في الإيجاب: " فشربوا منه إلا قليلاً منهم " وقال: " فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس " . وأما قوله عز وجل: " ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك " وامرأتك فالوجهان جائزان جيدان.

فمن قال: إلا امرأتك فهو مستثنى من يلتفت، وكأنه قال: ولا يلتفت إلا امرأتك. ويجوز هذا النصب على غير هذا الوجه، وليس بالجيد، على ما أعطيتك في أول الباب. جودة النصب على قوله: " فأسر بأهلك " إلا امرأتك. فلا يجوز إلا النصب على هذا القول لفساد البدل لو قيل: أسر إلا بامرأتك لم يجز. فإنما باب الاستثناء إذا استغنى الفعل بفاعله، أو الابتداء بخبره النصب، إلا أن يصلح البدل، فيكون أجود، والنصب على حاله في الجواز. وإنما كان البدل أجود؛ لأنه في اللفظ والمعنى، والنصب بالاستثناء إنما هو للمعنى لا للفظ.

وبيان ذلك أنك إذا قلت: جاءني إخوتك إلا زيداً، وزيد أحد إخوتك أوقعت عند السامع من قبل الاستثناء أنه فيمن جاء. فإذا قلت: إلا زيداً فإنما وقعت في موضع: لا أعني زيداً منهم، أو استثنى زيداً منهم، فهذا معنى.

وإذا قلت: ما جاءني أحد إلا زيد. فإنما رفعت، وإنما نحيت أحداً عن الفعل، وأحللت زيداً بعد الاستثناء محله، فصار التقدير: ما جاءني إلا زيد. فكل موضع صلح فيه البدل فهو الوجه، وإذا لم يصلح البدل لم يكن إلا النصب، كما يجوز فيما صلح فيه البدل النصب على الاستثناء.

هذا باب

ما لا يجوز فيه البدل

وذلك الاستثناء المقدم. نحو: ما جاءني إلا زيداً أحد، وما مررت إلا زيداً بأحد. وإنما امتنع البدل؛ لأنه ليس قبل زيد ما تبدله منه، فصار الوجه الذي كان يصلح على المجاز لا يجوز ها هنا غيره.

وذلك أنك كنت تقول: ما جاءني أحد إلا زيد، وتجيز: ما جاءني أحد إلا زيداً، فلما قدمت المستثنى بطل وجه البدل، فلم يبق إلا الوجه الثاني.

ومثال هذا قولك: جاءني رجل ظريف، فتجعل ظريفاً نعتاً لرجل، ويجوز: جاءني رجل ظريفاً، على الحال. فإذا قلت: جاءني ظريفاً رجل بطل الوجه الجيد؛ لأن رجلاً لا يكون نعتاً، فصار الذي كان هناك مجازاً لا يجوز غيره. فمن ذلك قوله:

الناس ألب علينا فيك ليس لنا … إلا السيوف، وأطراف القنا وزر

وقال:

وما لي إلا آل أحمد، شيعة … ومالي إلا مشعب الحق مشعب

وتقول: من لي إلا أباك صديق. إذا أردت أن تجعل صديق خبراً من. كأنك قلت: من صديق لي؟ فإن أردت غير هذا الوجه قلت: من لي إلا أبوك صديقاً. جعلت من ابتداء، وقولك أبوك خبره، وجعلت صديقاً حالاً.

وإن شئت قلت: من لي إلا أبوك صديق؟ جعلت الأب بدلاً من من، فصار التقدير: أبوك لي صديق؛ لأن من اسم مستفهم عنه، فتقديره: أحد إلا أبوك لي صديق. فإذا أبدل طرح أحداً، وجعل أباك بدلاً منه: مالي إلا أبوك صديق.

وتقول في باب منه، وهو أن تؤخر صفة الأول. تقول: ما جاءني أحد إلا زيد خير منك. التقدير: ما جاءني أحد خير منك إلا زيد.

فأنت في هذا مخير: إن شئت نصبت زيداً؛ لأن الأول بمنزلة المتأخر لتأخر نعته، فلم تقدم المستثنى لتبدله من شيء لم يتم إذا كان لا يعرف إلا بوصفه فقد صار صفة بمنزلة ما هو موصول به.

ألا ترى أنك لو قلت: رأيت زيداً الأحمر، وهو لا يعرف إلا بهذا النعت لم يكن قولك: رأيت زيداً مغنياً. وأما من أبدل منه فيقول: الوصف تابع مستغنىً عنه، وإنما أبدل من الموصوف لا من وصفه، وليس المبدل منه بمنزلة ما ليس في الكلام إنما أبدلت للتبيين، ولم تقل إنه نعت، لأنه جوهر لا ينعت به.

٢٨٠ / ٢٨٤