الاستثناء بغير
الجزء ١ · صفحة ٢٨٣فجعل اليعاقير أنيس ذلك المكان وينشد بنو تميم قول النابغة:
وقفت فيها أصيلالاً أسائلها … عيت جواباً، وما بالربع من أحد
إلا أواري لأباً ما أبينها … والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
والوجه النصب، وهو إنشاد أكثر الناس.
وقوله جل وعز: " فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلاً ممن أنجينا " من هذا الباب؛ لأن لولا في معنى هلا. والنحويون يجيزون الرفع في مثل هذا من الكلام، ولا يجيزونه في القرآن لئلا يغير خط المصحف. ورفعه على الوصف كما ذكرت لك في الباب الذي قبله. فأما قول الشاعر:
من كان أسرع في تفرق فالج … فلبونه جربت معاً، وأغدت
إلا كناشرة الذي ضيعتم … كالغصن في غلوائه المتنبت
فإنما الكاف زائدة، وهو استثناء ليس من الأول. ولو حذفت الكاف لكان الموضع نصباً ومثل ذلك:
لولا ابن حارثة الأمير لقد … أغضبت من شتمي على رغمي
إلا كمعرض المحسر بكره … عمداً يسببني على ظلم
وكذا قوله:
إلا كخارجة المكلف نفسه … وابني قبيصة أن أغيب ويشهدا
الكاف زائدة مؤكدة كتوكيدها في قول الله جل وعز " ليس كمثله شيء " . ومثل ذلك قوله:
لواحق الأقراب فيها كالمقق
أي فيها مقق وهو الطول. والكاف زائدة.
هذا باب
ما لا يكون الاستثناء فيه
إذا أبدل إلا على الموضع لامتناع اللفظ منه.
وذلك قولك: ما جاءني من أحد إلا زيد على البدل؛ لأن من زائدة. وإنما تزاد في النفي، ولا تقع في الإيجاب زائدة؛ لأن المنفي المنكور يقع واحده في معنى الجميع، فتدخل من لإبانة هذا المعنى، وذلك قولك: ما جاءني رجل. فيجوز أن تعني رجلاً واحداً. وتقع المعرفة في هذا الموضع. تقول: ما جاءني عبد الله. فإذا قلت: ما جاءني من رجل لم يقع ذلك إلا للجنس كله، ولو وضعت في موضع المنكور معروفاً لم يجز لو قلت: ما جاءني من عبد الله ، كان محالاً؛ لأنه معروف بعينه فلا يشيع في الجنس.
فإذا قلت: جاءني لم تقع من ها هنا زائدة؛ لأن معنى الجميع ها هنا ممتنع لإحاطته بالناس أجمعين؛ كما كان هناك نفياً لجميعهم.
فإذا قلت: ما جاءني من رجل إلا زيد كان خلفاً أن تقول: إلا زيد؛ لأنك لو أبدلته من رجل على اللفظ قلت: ما جاءني إلا من زيد؛ فلذلك قلت: ما جاءني من أحد إلا زيد؛ لأن من وما بعدها في موضع رفع، ولولا ذلك لكان يخلو الفعل من فاعل.
وكذلك ما رأيت من أحد إلا زيداً، وليس زيد بشيء إلا شيئاً لا يعباً به. ولو قلت: إلا شيء لم يصلح؛ لأن التقدير: لست إلا بشيء، وهذا محال، لأن الباء إنما تزاد في غير الواجب توكيداً. تقول: ما زيد بقائم، وليس زيد بمنطلق.
وعلى هذا ينشد هذا الشعر، وليس يجوز غيره:
أبني لبيني لستم بيد … إلا يداً ليست لها عضد
وتقول على هذا: ما زيد بشيء إلا شيء لا يعباً به، فكأنك قلت: ما زيد إلا شيء لا يعبأ به. فهذا وجه هذا الباب.
هذا باب
الاستثناء بغير
اعلم أن كل موضع جاز أن تستثنى فيه ب إلا جاز الاستثناء فيه بغير.
وغير اسم يقع على خلاف الذي يضاف إليه. ويدخله معنى الاستثناء، لمضارعته إلا. وكل موضع وقع الاسم فيه بعد إلا على ضرب من الإعراب كان ذلك حالاً في غير إلا أن يكون نعتاً، فيجري على المنعوت الذي قبلها، وذلك قولك: جاءني القوم غير زيد؛ لأنك كنت تقول: جاءني القوم إلا زيداً.
وتقول: هذا درهم غير قيراط كقولك: هذا درهم إلا قيراطاً. وتقول: هذا درهم غير جيد؛ لن غيراً نعت. ألا ترى أنه لا يستقيم: هذا درهم إلا جيد.
فأما الموضع الذي يرتفع فيه، فتقول: ما جاءني أحد غير زيد، على الوصف وعلى البدل، فالبدل كقولك: ما جاءني أحد إلا زيد.
وتقول: لقيت القوم غير زيد، على النعت، إذا كان القوم على غير معهود، وعلى البدل. والوجه إذا لم يكن ما قبل غير نكرة محضة ألا يكون نعتاً.
فأما قول الله عز وجل: " غير المغضوب عليهم ولا الضالين " ، فإن غيراً تكون على ضروب: تكون نعتاً للذين لأنها مضافة إلى معرفة. وتكون حالاً، فتنصب؛ لأن غيراً وأخواتها يكن نكرات، وهن مضافات لا معارف. هذا الوجه فيهن جمع. وهو في غير خاصة واجب لما تقدم ذكره.