شرح الجامع الصحيح (الجزء 1 و2) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

شرح المسند ج1

الجزء ١ · صفحة ١٣٦

والكفر كفران أحدهما كفر شرك والآخر كفر نعمة ، فإن حملنا الحديث على كفر النعمة كان وجهه ظاهرا لأن رمي المسلم بالكفر كبيرة وهي كفر النعمة وسباب المؤمن فسوق ، ولهذا قال الربيع رحمه الله تعالى : استحق اسم الكفر لقوله يا كافر . وإن حملناه على معنى الشرك كان مشكلاً جداً .

ولمّا كان الكفر في اصطلاح القوم خاصاً بالشرك أشكل عليهم معنى الحديث فعدّه بعضهم من المشكلات من حيث أن ظاهره عندهم غير مراد ، وذلك لأن المسلم لا يكفر عندهم بنحو القتل والزنا ، وكذا قوله لأخيه كافر من غير اعتقاد بطلان دين الإسلام . وتأوله آخرون فحمله بعضهم على المستحل لذلك .

وبعضهم قال معناه : رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصيته بتكفيره .

وحمله بعضهم على الخوارج المكفرين للمؤمنين وهم الأزارقة والصفرية وهذا الوجه نقله القاضي عياض عن مالك بن أنس وضعّفه النووي في شرح مسلم بأن المذهب الصحيح أن الخوارج لا يكفرون كسائر أهل البدع .

وقال بعضهم : معنى الحديث أن ذلك يئول به إلى الكفر وذلك أن المعاصي بريد الكفر ويخاف على المكثر منها سوء العاقبة .

وقال بعضهم : معناه فقد رجع عليه تكفيره فليس الراجع حقيقة الكفر بل التكفير لكونه جعل أخاه المؤمن كافراً وهما شركاء في الإيمان فكأنه كفّر نفسه .

فقد باء أحدهما بالكفر والبادي أظلم .

قال الربيع : استحق اسم الكفر دون صاحبه لقوله يا كافر .

----------------------------------------

هذه أقوالهم في تأويل الحديث وكلها ناشئة من مخالفة الحديث لمذهبهم واصطلاحهم في تخصيص الكفر بالشرك ولو حملوه على كفر النعمة كما حملناه عليه لهان الخطب واتضح المعنى وانتفى التكلف ، وقد احتاجوا إلى إثبات كفر النعمة في مواضع من تفسير الأحاديث فلو جعلوا هذا الموضع منها ما غاروا وأنجدوا .

١٣٦ / ١٬٠٢٤