شرح الجامع الصحيح (الجزء 1 و2) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

شرح المسند ج1

الجزء ١ · صفحة ١٤٤

قوله ( إذا أحب العبد لقائي أحببت لقاءه ) المراد بلقاء الله الرجوع إليه المذكور في قوله تعالى ( وإليه ترجعون ) ، وقوله حكاية عن المؤمنين ( قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون ) . والرجوع إليه هو النقل من دار الفناء إلى دار البقاء وباب ذلك الموت . قال ابن المبارك عن عبدالله بن عبيدالله قال : قال رجل : يا رسول الله مالي لا أحب الموت ؟ قال : هل لك مال فقدّم مالك بين يديك فإن المرء مع ماله إن قدّمه أحب أن يلحقه وإن خلّفه أحب أن يتخلف معه . وروى الأصبهاني في الترغيب عن أنس : إن حفظت وصيتي فلا يكوننّ شيء أحب إليك من الموت . وروى الديلمي عن السيد الحسين : الموت ريحانة المؤمن .

وفي حديث جابر : الموت تحفة المؤمن ، والدراهم والدنانير ربيع المنافق وهما زاداه إلى النار .

قوله ( إذا كره عبدي لقائي كرهت لقاءه ) ولا يكره لقاء الله إلا من ساء عمله . ومن كره لقاء الله كره الموت لنه أول اللقاء ، ومن كره الموت فقد شابه اليهود في حرصهم على الحياة وذلك بسوء أعمالهم قال تعالى ( ولا يتمنونه أبداً بما قدّمت أيديهم ) أي بما فعلوه من التكذيب والإصرار على العناد .

قال قتادة : إن سوء العمل يكره الموت شديداً . ووجه ذلك أنه لم يقدّ لما بعده وإنما عمل لدنياه فهو يحب البقاء فيها ، وليس من ذلك ما يجده المؤمن من الوحشة والفزع عند حضور الأجل فإن هذا أمر طبيعي جبلت عليه النفوس فهو نظير كراهة الدواء والكي لمن علم أن في ذلك شفاء علته والله أعلم .

ثم رأيت للحديث تفسيراً غير هذا ، وهو أن الشيخين زادا في حديث عبادة فقالت عائشة : إنا لنكره الموت . قال صلى الله عليه وسلّم : ليس ذاك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشّر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء الله وأحب الله لقاءه ، وإن الكافر إذا حضر بشّر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه .

١٤٤ / ١٬٠٢٤