سورة يونس · الآية ٥٩ من ١٠٩

‹ السورة السابقة
قُلۡ أَرَءَیۡتُم مَّاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ لَكُم مِّن رِّزۡقࣲ فَجَعَلۡتُم مِّنۡهُ حَرَامࣰا وَحَلَٰلࣰا قُلۡ ءَاۤللَّهُ أَذِنَ لَكُمۡۖ أَمۡ عَلَى ٱللَّهِ تَفۡتَرُونَ٥٩
الرسم الإملائيّ

قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ

الجزء ١١الربع ٨٦ صفحة ٢١٥

تفسيرها

[سورة يونس — آية 59]

﴿قُلْ: أَرَأَيْتُم﴾ فأخبروني ﴿مَّا أَنزَلَ اللّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً﴾ فبعضتوه ، وقلتم : هذا حلال وهذا حرام ، بلا حجة .﴿ قُلْ آللّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ في التحريم ، ﴿أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ﴾ ، الآية زاجرة عن التجوز فيما يسأل من الأحكام ، وباعثة على وجود الاحتياط فيه ، وأن لا يقول أحد في شىء: جائز أو غير جائز على سبيل القطع بدين ، إلا بعد الإيقان ، وإلا فهم مفتر على الديان.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٢٣

[سورة يونس — آية 59]

قوله : ﴿ قُلْ أَرَءَيْتُم مَّا أَنزَلَ الله لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً ﴾ يعني مشركي العرب . وإنما أرزاق العباد من المطر؛ به ينبت زرعهم ، وتعيش ماشيتهم ﴿ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَاماً وَحَلاَلاً ﴾ أي : ما حرموا من الأنعام من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام ، وما حرَّموا من زروعهم؛ وهو قوله : ﴿ وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا : هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَآئِنَا ﴾ [ الأنعام : 136 ] أي : لأوثاننا التي كانوا يعبدونها من دون الله .

قال : الله لمحمد عليه السلام : ﴿ قُلْ ءَالله أَذِنَ لَكُمْ ﴾ يعني أمركم بما صنعتم من ذلك ﴿ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ ﴾ وهو على الاستفهام ، أي : إنه لم يفعل ذلك .

ثم أوعدهم على ذلك فقال : ﴿ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكَذِبَ يَوْمَ القِيَامَةِ ﴾ وهو على الاستفهام ، يقول : ظنهم أن الله سيعذبهم ، وظنهم ذلك في الآخرة يقين منهم . وقد كانوا في الدنيا لا يقرون بالبعث ، فلما صاروا إلى الله علموا أن الله سيعذبهم .

ثم قال : ﴿ إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ﴾ أي : بما أنعم عليهم وبما أرسل إليهم الرسل ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ ﴾ أي : لا يؤمنون .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٢٣

[سورة يونس — آية 59]

﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا أَنْزَلَ اللهُ لَكُمْ مِّنْ رِزْقٍ ﴾ ما اسم موصول والمعنى أَرأَيتم ما نزل الله من البحيرة والوصيلة والحامى والسائِبة ، والمفعول الثانى جملة قوله أَالله أذن لكم ، على أَن قل الداخل عليها لهذا ولا يحسن تخريج الآية على الاستفهام وأَنها مبتدأٌ خبره الله لكم ، لعدم الرابط إِذ لا يكفى تقديره هكذا : أَالله أَذن لكم فيه ، وإِنما يكفى الضمير فى أَنزل فيكون الخبر أَنزل الله ، أَى ما أَنزله الله ، أَى ما أَنزله الله مع أَن هذا تكلف ، لأَن هذا الحذف يوهم أَن ما مفعول به لأَنزل ، ولا يحسن أَن تقول زيد ضربت برفع زيد وتقدير الهاءِ ، أَى زيد ضربته ، بل ينصب ولو ورد الرفع نادرا كقول أَبى النجم « كله لم أَصنع » برفع كل ، أَى كله لم أَصنعه ، فما إِذا كانت استفهامية ومفعولا به لأَنزل ، ومعنى أَنزل خلق لأَن ما خرج من الأَرزاق مقدر فى السماءِ وبسبب الماءِ النازل منها فإِن النبات به وبحرارة القمر والشمس والحيوانات كالنبات ﴿ فَجَعَلْتُمْ مِّنْهُ حَرَاماً ﴾ هو الوصيلة والبحيرة والحامى ﴿ وَحَلاَلاً ﴾ هو الميتة . قال الله عز وجل ﴿ أَنعام وحرث حجر ما فى بطون هذه الأَنعام خالصة لذكورنا ومحرم على أَزواجنا وإِن يكن ميتة فهم فيه شركاء ﴾ ، وقيل المراد أَنه أَنزل الماءَ وكان منه ما يؤكل وقلتم هذه أَنعام وحرث حجر وما فى بطون هذه الأَنعام إِلخ ، وأَسند الإِنزال إِلى الرزق لأَنه مسبب عن سببه وهو المطر والريح والبرد والحر ، أَو أَطلق المسبب وهو الرزق عن سببه وهو الماءُ ونحوه ﴿ قُلْ أَاللهُ أَذِنَ لَكُمْ ﴾ فى التحليل والتحريم ، وعديل هذا هو قوله ﴿ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ ﴾ فى التحيم والتحليل ، فأَم متصلة والاستفهام توبيخ ويجوز أَن تكون منفصلة ، أَى بل على الله تفترون ، أَو بل أَعلى الله تفترون ، وعلى الانفصال يتعلق بقوله ﴿ قل أَالله أَذن لكم ﴾ أَو بقوله أَرأَيتم ، ومقتضى الظاهر أالله أَذِن لكم أَم غيره ، ولكن قال أَم على الله تفترون لأَن فيه معنى أَم غيره وزيادة التصريح بافتِرَائِهم ، ولأَن معنى أَالله أَذن لكم : أَفعلتم ما فعلتم على أَنه من عند الله أَم فعلتموه من عند أَنفسكم افتراءً ، وقدم قوله على الله للفاصلة وطريق الاهتمام لا للحصر إِذ ليس المقام لأَن يقال يفترون على الله لا على غيره .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٤٢٣