لَهُۥ مُعَقِّبَٰتࣱ مِّنۢ بَیۡنِ یَدَیۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ یَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا یُغَیِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ یُغَیِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَاۤ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمࣲ سُوۤءࣰا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ١١
الرسم الإملائيّ
لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ
الجزء ١٣الربع ١٠٠ صفحة ٢٥٠
تفسيرها
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ جماعات من الملائكة تعتقب في حفظه تعاقب الليل والنهار ، حكمة من الله لا يعلم كنهها إلا هو ، ﴿مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ﴾ أي: قدامه ووراء ، ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ﴾ ، أي: إن الله أمرهم بحفظه (لعله) والمعنى: يحفظونه بأمر الله ، ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ﴾ من العافية والنعمة ﴿حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ بارتكابهم للشهوات ، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا﴾ عذابا يسوؤهم ، ﴿فَلاَ مَرَدَّ لَهُ﴾ فلا يدفعه شيء ، ﴿وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ يلي أمرهم من دون الله ويدفع عنهم .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧١٨
قوله : ﴿ لَهُ مُّعَقِّبَاتٌ ﴾ أي : لهذا المستخفي وهذا السارب معقبات ﴿ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ الله ﴾ فيها تقديم : أي : له معقبات من بين يديه ومن خلفه ، من أمر الله ملائكة يحفظونه .
قال مجاهد : الملائكة من أمر الله بالليل والنهار . وإنهم يجتمعون عند صلاة الصبح وعند صلاة المغرب . وبعضهم يقول : يحفظونه من أمر الله ، أي : بأمر الله . وقال بعضهم : هم ملائكة الله يتعاقبونكم .
ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، فيجتمعون عند صلاة الصبح وعند صلاة العصر فيسألهم ربهم ، وهو أعلم بهم : كيف تركتم عبادي؟ فيقولون : أتيناهم وهم يصلّون وتركناهم وهم يصلّون »
ذكر مجاهد قال : ما من آدمي إلا ومعه ملكان يحفظانه في ليله ونهاره ، ونومه ويقظته ، من الجن والإِنس والدواب والسباع والهوام ، وأحسبه قال : والطير ، كلما أراده شيء قالا : إليك حتى يأتي القدر .
وقال بعض أصحاب النبي عليه السلام : ما من آدمي إلا ومعه ملكان : ملك يكتب علمه ، وملك يقيه ما لم يقدر له .
وقال الحسن : إن الملائكة المعقبات الذين يتعاقبون بالليل والنهار أربعة أملاك : ملكان بالليل وملكان بالنهار .
ذكر بعضهم أن في مصحف أبي بن كعب : له معقّبات من بين يديه ، ورقيب من خلفه .
وتفسير الكلبي ﴿ يَحْفَظُونَهُ ﴾ أي : يحفظون عمله؛ كقوله : ﴿ وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ [ الانفطار : 10-12 ] ، وهم يتعاقبون ، ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، يتعاقبون ببني آدم ويحفظون أعمالهم .
قوله : ﴿ إِنَّ الله لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ﴾ . وقال في الآية الأخرى : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ الله كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ البَوَارِ ﴾ [ سورة إبراهيم : 28 ] ، وذلك أن الله ، إذا بعث إلى قوم رسولاً فكذبوه ، أهلكهم . كقوله : ﴿ وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [ النحل : 12 ] وهم أهل مكة ﴿ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [ النحل : 113 ] . وذلك العذاب هو الجوع الذي كان أصابهم ، ثم عذِّبوا بعد ذلك بالسيف يوم بدر .
قال : ﴿ وَإِذَا أَرَادَ الله بِقَوْمٍ سُوءاً ﴾ يعني عذاباً ﴿ فَلاَ مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ ﴾ يمنعهم من عذاب الله .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧١٨
﴿ لَهُ مُعَقِّباتٌ ﴾ جمع معقبة ، والمعقبة جماعة فكأنه قيل له جماعات معقبات ، أَو جمع معقبة مفرد وتاره على هذا للمبالغة وهاءٌ له للمخلوق - أَو لله عز وجل - ومعقبات الملائِكة والتشديد للمبالغة إذ يكفى أن يقال عاقبات اسم فاعل عقب بالتخفيف ، وإذا قلنا إنه جمع معقبة للواحد والتاءُ للمبالغة اجتمع تأكيدان وذلك أن الملائِكة أَشداءُ التعقيب على الإنس والجن فى كتب ما يعقلون وما يقولون ، قيل وما يعتقدون على أن الله - جل وعلا - يطلعهم عليه يعقبون ذلك منهم بالكتب له أَو أَشداءُ التعقب عليه يحفظونه مما أَمرهم الله بالحفظ عنه كما قال : ﴿ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ ﴾ يحفظونه من المضار بأَمر الله ، ومن بمعنى الباءِ ، أَو لأَجل أَمر الله لهم بالحفظ ، ويجوز أن تكون للابتداءِ ، والمعنى يحفظونه مما هو ملك لله لو وقع أَو من أَمر الله الواقع على غيره ، والضر خلق الله وفعل له ، أَما الإنس فمضرتهم من بعض لبعض ، ومن الجن والهوام وغير ذلك كالتردى والاحتراق والشوكة والصاعقة فى النوم واليقظة ، وأما الجن فمن لبعض ومن الناس ، ومما ذكر وما لم يؤمروا بالحفظ عنه لم يحفظوا أَحدا عنه ، وأمرهم إنما هو بالإلهام فيقع الإنسان فى بئْر أَو عند سبع أَو نحو ذلك من المضار فليحقه الضر إذ لم يقعل لهم إلهام وانكشاف لذلك ، قال كعب الأحبار رضى الله عنه : لولا أن الله تعالى وكل بكم ملائكةً يذبون عنكم فى مطمعكم ومشربكم وعوراتكم لاختطفتكم الجن ، ومعنى من بين يديه ومن خلفه من جهاته كلها فأَشار إليها كلها بالجهتين كما يشار بالأَول والآخر إلى الوسط معهما ، أَو معناه من الأعمال ما قدم وما أُخر ، وذلك فى الملكين الكاتبين ، وقيل : الكاتبون لكل أحد أربعة فصاعدا ، روى أنه تطلع خمسة باتوا معنا فيقول الله لهم كيف تركتم عبادى فيقولون تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون ، ويصبح معنا خمسة فيقال لهم فيقولون ذلك لأَنهم يجتمعون عند العصر ، وقيل عند المغرب وفى قرب الفجر ، وقيل فى الفجر ، وقال اللقانى : عشرة ليلا وعشرة نهارا ، وقيل خمسة ليلا وخمسة نهار ، الأول على اليمين لكتابة الحسنات ، والثانى على اليسار لكتابة السيئات ، والثالث على الناصية يرفعه إن تواضع ، ويضعه إن ترفع وآخر يقيه عن الأذى وآخر يقيه عن الهوام ، ومن بين يديه إلخ متعلق بما قبله ، وإن علق بيحفظونه فلا بأْس لأنها بمعنى فى ، ومن فى من الله للابتداء أو السببية أَو الاستعانة كما مر ﴿ إنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ ﴾ فى قومهم أو لقوم أو مع قوم من ننعم الصحة والمال والجاه والستر ونحو ذلك ﴿ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ من الحالة الحسنة بالمعصية ، وكل أحد يولد على الفطرة حتى يبلغ فيكفر أَو يبقى على الخير ، أَو من حال حسنة كالجود والعدل ، ولو كان كافرا فإِذا جار سلب ماله مما يستحسنه ، وقد يبقيه أو يزيده مما يحب استدراجا ، والشكر يبقى النعم والكفر يزيلها ﴿ وَإِذَا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءاً ﴾ ضرا ﴿ فَلاَ مَرَدَّ لهُ ﴾ لا رد له ، قيل : المعقبات ، الحرس حول السلطان يحفظونه بإذن الله ، وإذا أراد الله به سوءاً لم يدفعوه بل إن شاءَ سلطهم عليه وذلك كالتهكم بهم ﴿ وَمَا لَهُمْ مِّنْ دُونِهِ مِنْ وَّالٍ ﴾ يليهم يدفع العذاب أو بعضه قبل وقوعه أو بعده .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧١٨