سورة الرعد · الآية ١٤ من ٤٣

‹ السورة السابقة
لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِینَ یَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا یَسۡتَجِیبُونَ لَهُم بِشَیۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّیۡهِ إِلَى ٱلۡمَاۤءِ لِیَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَاۤءُ ٱلۡكَٰفِرِینَ إِلَّا فِی ضَلَٰلࣲ١٤
الرسم الإملائيّ

لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ

الجزء ١٣الربع ١٠٠ صفحة ٢٥١

تفسيرها

[سورة الرعد — آية 14]

﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ﴾ قيل" دعوة الحق": التوحيد ، ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ﴾ أي: يعبدون الإصنام من دون الله ، ﴿لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ﴾ أي: لا يجيبونهم بشيء يريدونه من نفع أو دفع ، ﴿إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغَ فَاهُ﴾ ، أي: إلا كباسط كفيه ليقبض على الماء ، (لعله) لا يكون في يده شيء ، ولا يبلغ إلى فيه منه شيء ، ﴿وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ﴾ ، وما الماء ببالغ فاه ، ﴿وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾ في ضياع لا منفعة فيه ، لأنهم إن دعوا الله لم يجبهم وإن دعوا الأصنام لم تستطع ﴿إجابتهم﴾.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٢١

[سورة الرعد — آية 14]

قوله : ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الحَقِّ ﴾ أي : لا إله إلا الله ، هي دعوة الحق . قال : ﴿ والَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ ﴾ أي : الأوثان ﴿ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيْءٍ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ ﴾ وهو مثل الذي يعبد الأوثان إذا رجا الحياة في عبادته كالذي يرفع بيده الإِناء الذي فيه الماء يرجو به الحياة فمات قبل أن يصل إلى فيه .

وقال بعضهم : كباسط كفّيه إلى الماء يدعو الإِناء الذي فيه الماء ليأتيه فمات قبل أن يأتيه الإِناء . يقول : فكذلك المشركون حيث رجوا منفعة آلهتهم ضلّت عنهم فهلكوا .

قال : ﴿ وَمَا دُعَاءُ الكَافِرِينَ ﴾ أي : آلهتَهُم ﴿ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ﴾ .

وقال مجاهد : يدعو الماء بلسانه ، ويشير إليه بيده ولا يأتيه أبداً .

ذكر بعضهم قال : هذا مثل ضربه الله؛ إن هذا الوثن الذي يدعو من دون الله ، إنه لا يستجيب له بشيء ، أي : لا يسوق له خيراً ، ولا يدفع عنه شراً حتى يأتيه الموت ، كمثل هذا الذي يبسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه ، ولا يصل ذلك إليه حتى يموت عطشاً .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٢١

[سورة الرعد — آية 14]

﴿ لَهُ ﴾ لا لغيره ﴿ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾ الدعاءُ إِلى التوحيد فإِن الدعاءَ إِليه دعاءُ حق لا باطل ، أَو الحق هو التوحيد ، ودعوة التوحيد هو الدعاءُ إِليه ، وليس من إِضافة الموصوف إِلى الصفة كما قيل ، وإلا قيل : الحقة؛ إِلا أَن يتكلف أَنه مصدر كما يقال امرأَة عدل ، أَو أَول الدعوة بالدعاءِ ، فكأَ ، ه الدعاءُ الثابت أَو المستجاب ، فإِِن مالا يستجاب باطل كما قال : ﴿ لا يستجيبون لهم بشىءٍ ﴾ أَو المراد دعوة المدعو الحق وهو الله ، وقيل : الحق الله ، وكأَنه قيل لله دعوة الله فيشكل بظاهره ، ويؤول بأَ ، كل ما كان دعاءً إِليه تعالى يكون له ، وأَنه أَمر به لا يليق بغيره ، وكل دعاءٍ إِليه هو دعاءٌ له بمعنى أَنه أمر به ﴿ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لاَ يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَىْءٍ ﴾ ذكر الأَصنام بما يذكر به العقلاءُ لأَنهم يعظمونها كأَنها عقلاءُ ، ووايدعون للمشركين ، والذين للأَصنام والعائِد هاءٌ محذوفة ، أَى والأَصنام الذين يدعوهم المشركون ، أَو الذين للمشركين ، والعائِد الواو ومفعول يدعون محذوف ظاهرا يعودا إِليه واو لا يستجييبون فإِِن واوه على كل وجه لأَصنام ، وهاءٌ لهم على كل حال للمشركين ، لا تستجيب الأَصنام لعابديها بشىءٍ مما يطلبونها إِليه ﴿ إِلاَّ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ ﴾ أَى إلا استجابة كاستجابة من يبسط يديه من فم البئْر إِلى الماءَ فى قعرها ، أَو باسطهما إِلى السحاب مع ضم أَصابعه ونصبهما لتمسك له الماءَ ليدخل فاه ، أَو يصله وهو عطشان ، والماءُ جماد لا شعور له بعطشه ، ولا يبسط الكفين إِليه ولا قدرة له على إِجابة الدعاءِ ، ولا يطلع إِليه الماءُ ، أَو ينزل إِليه ، فكذا دعوا الأَصنام وهى جماد لا تعلم بدعائِهم ولا تستجيب لهم إِن دعوهم لا سمعوا ، بقى أَنه لا استجابة للماءِ أَلبتة ، فكذلك لا استجابة للأَصنام فذلك كقوله :

ولا عيب فينا غير أَن سيوفنا … بهن فلول من قراع الكتائب

فإن ذلك لا يختص بالمدح والذم ﴿ وَمَا هُوَ ﴾ أى الماءُ ﴿ بِبَالِغِهِ ﴾ أَى ببالغ فيه ، أَو فوه ببالغ الماءِ ، أَو ما باسط كفيه إلى الماء ببالغ الماءِ ، والأَول أَولى لأَن البالغ فى قوله : ليبلغ فاه هو الماءُ ، ووجه الثانى بتفريق أَصابعه ، أَو مع ضمنها ممتدة فى حوض أَو إِناءٍ واسع ، فإِنه لا يغترف له الماءُ بذلك ، وما تقدم أَولى لتمام التشبيه فيه بخلاف هذا قد يبقى ماءٌ قليل فى أُخمص راحته ، مع أَنه لا نفع كثير ولا قليل من الأَصنام ﴿ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ ﴾ صلبهم حوائِجهم من الأَصنام أَو عبادتهم إِياها ، أَو ما عبادتهم الله لأَنهم قد يعبدونه كالطواف ﴿ إِلاَّ فِى ضَلاَلٍ ﴾ ضياع حين يحتاجون لا نفع فيه ، لا تنفعهم الأَصنام ، ولا يقبل الله عبادتهم إِياه لشركهم ، قال ابن عباس : أَصوات الكفار محجوبة عن الله تعالى فلا يسمع دعاءَهم ، ومعنى حجبها وعدم سمعها أَنها غير مقبولة ، والله لا يخفى عنه شىءٌ .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٢١