سورة الرعد · الآية ٢٢ من ٤٣

‹ السورة السابقة
وَٱلَّذِینَ صَبَرُوا۟ ٱبۡتِغَاۤءَ وَجۡهِ رَبِّهِمۡ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنفَقُوا۟ مِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ سِرࣰّا وَعَلَانِیَةࣰ وَیَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّیِّئَةَ أُو۟لَٰۤئِكَ لَهُمۡ عُقۡبَى ٱلدَّارِ٢٢
الرسم الإملائيّ

وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ

الجزء ١٣الربع ١٠١ صفحة ٢٥٢

تفسيرها

[سورة الرعد — آية 22]

﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّه﴾ عهد الله: ما عقدوه على أنفسهم من الشهادة بربوبيته ، ﴿ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ؟ قَالُواْ : بَلَى ﴾ ، ﴿وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ وما وثقوه على أنفسهم وقبلوه ، من الإيمان بالله وغيره من المواثيق ، بينهم وبين الله ، وبين العباد تعميم بعد تخصيص.

﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ قيل: أراد به الإيمان بجميع الكتب والرسل لا نفرق بينهما ، وقيل: المراد به : صلة من أمر الله بصلته ، ﴿وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي: وعيده كله ﴿وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ﴾ فيحاسبون أنفسهم قبل أن يحاسبوا ، فيحبسوها على قوانين الشرع بدليل قوله: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُواْ﴾ مطلق فيما يصبر عليه من مشاق التكاليف ، ﴿ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ﴾ ، لا ليقال : ما أصبره ! وأحمله للنوازل ! وأوقره عند الزلازل ! ولا لئلا يعاب في الجزع ، ﴿وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ﴾ بجميع ما يجب وينبغي ، ﴿وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ أي: من الحلال، ﴿سِرًّا وَعَلاَنِيَةً﴾ كيفما اتفق لهم ، ﴿وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ﴾ ويدفعون بالحسن من الأعمال والأقوال ما يسوءهم من قول الجهلة وفعلهم ، ويخرج فيه دفع الذنب بالتوبة ، ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ﴾ عاقبة الدنيا وهي الجنة ، لأنها أرادها الله أن تكون عاقبة الدنيا ومرجع أهلها.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٢٩

[سورة الرعد — آية 22]

قال : ﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ ﴾ ، أي : الصلوات الخمس ، وحافظوا على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئها ومواقيتها وركوعها وسجودها يراه حقاً لله عليه حرُم على النار »

قوله : ﴿ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ ﴾ يعني الزكاة المفروضة في تفسير الحسن . ﴿ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً ﴾ . يستحب أن تعطى الزكاة علانية والتطوع سراً . قال ﴿ وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾ يقول : يعفون عن السيئة إذا أسيء إليهم ، ولا يكافؤونَ صاحبها . فالعفو عنهم حسنة .

﴿ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ أي : دار الآخرة . والعقبى الثواب ، وهو الجنة .

ذكروا أن رجلاً قال : يا رسول الله ، إن لي جاراً يسيء مجاورتي ، أفأفعل به كما يفعل بي؟ قال « لا ، إن اليد العليا خير من اليد السفلى »

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٢٩

[سورة الرعد — آية 22]

﴿ وَالَّذِينَ صَبَرُوا ﴾ علىلطاعة وتجويدها فى إِخلاص فرضا ونفلا ، وعلى المصائِب وعن المعاصى ، والنفل لا يلزم ولكن لما كان تارك السنن المؤكدة لا يتولى إِن لم تسبق له الولاية أُدرجت النفل فى الآية ﴿ ابْتِغَاءَ وَجْهِ ربِّهِمْ ﴾ ذوى ابتغاءِ ثواب وجه ربهم ، أَو مبتغين لثوابه أَو لابتغائِه ، لا ابتغاءِ عرض الدنيا بالصبر كالمال والشهرة بالصبر فى ذلك والرياءُ وما هو من جانب الخلق ، وحذر أَن لا تشمت به الأَعداء ﴿ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ ﴾ المفروضة ، وأَما غير المفروضة إِن أَتوابها متهاونين فمن سوءِ الأَخلاق ، وسوءِ الأَخلاق يجر إِلى سائِر الذنوب ، ويجوز تفسير الآية بالصلاة الواجبة وغير الواجبة حملا للكلام على المدح لصفات الخير ، ولو كان الإِخلال بالنفل لا تدخل به النار ، ومن تضييع الصلاة الجمع بين الصلاتين بلا ضرورة فقد خلى الثانية ومن وقتها إِذا جمع قبله ولو كان فى السفر إِذا كان فى قرية آمنا وأَجزتهم على قول اشتراك الأُولى والثانية من أَول وقت الأُولى إِلى أَواخر وقت الثانية ، وتقرر أَنه من جمع بين الصلاتين بلا عذر أَجزتاه ، ولا ثواب ، وعطف قوله : يخافون على قوله : يخشون عطف خاص على عام ، وكذا عطف قوله : وأَقاموا الصلاة ﴿ وأَنْفَقُوا ﴾ على قوله : صبروا ﴿ مِمَّا رَزَقْناهُمْ ﴾ أَى بعضه وهو ما وجب من الزكاة والضيافة ونفقة الأَصل الواجبة وتنجية المضطر ، ويقال أَيضا : لا بأْس بإِدراج النفل لأَن المقام مقام مدح ، وترك اللذة المباحة ، ولو كان الإِخلال بالنفل لا يدخل النار ﴿ سِرَّا وَعَلاَنِيةً ﴾ بأَى حال اتفقت لحرصهم علىلطاعة لا يؤخؤون الفرض إِلى وقت العلانية ، ولا النفل إلى وقت السر ﴿ سارعوا إِلى مغفرة من ربكم ﴾ أَو سرا فى النفل وعلانية فى الفرض لأَن من شأْن الفرض الإِعلان قال الحسن : المراد الزكاة المفروضة فإِن عرف بالمال أَداها جهرا وإِلا فسرا ، ولا مانع من رد سرا وعلانية إِلى الصلاة والإِنفاق معا ، ونصبهما على الظرفية أَى وقت سر ووقت علانية ، أَ حال ، أَى ذوى سر وذوى إِعلاىن ، أَو مسرين ومعلنين ﴿ وَيَدْرَءُونَ ﴾ يدفعون ﴿ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ﴾ كالجهل بالحلم والأَذى بالصبر والحرمان بالعطاءِ والجفاءِ بالأَدب مع الجافى ، وما يؤدى إِلى سوءٍ ترك ، كما جاءَ من الجفاءِ الإِقبال على من أَعرض ، أَو يتبع السيئَةَ بالحسنةِ قال صلى الله عليه وسلم : « إِذا عملت سيئَة فاعمل بجنبها حسنة تمحها » أَو يدفعون المعصية بالتوبة ، دخل شفيق البلخى على عبد الله ابن المبارك أَو بالعكس وهو المشهور متنكرا فقال : إِذا منعوا صبروا وإِذا أُعطوا شكروا ، فقال شقيق : هذه صفة كلابنا ببلخ ، أَو قال عبد الله هذه صفة كلابنا ، فقال أَحدهما للآخر فكيف الأَمر؟ فقال : إِذا منعوا شكروا وإِن أُعطوا آثروا ، ويزاد على ذلك أَهم يجزون الظالم بالمغفرة والسمىءَ بالإِحسان ، كما قيل :

يجزون من ظلم أَهل الظلم مغفرة … ومن إِساءَة أَهل السوءِ إِحسانا

﴿ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ العاقبة المحمودة فى الدار الآخرة ، والدار الآخرة ما بعد الموت ، شاملة للجنة والنار ، والمحمودة منها الجنة ، وهى المراد هنا ، أَو الدار الدنيا وعقباها الجنة؛ لأَنها تجىءُ بعدها ونتيجة لها لمن اتخذها مطية إِلى الخير ، وينتهى بشأْن الدنيا إلى الآخرة بجنة أَو نار ، والمراد هنا الجنة .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٧٢٩