سورة الحجر · الآية ٢ من ٩٩

‹ السورة السابقة
رُّبَمَا یَوَدُّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ لَوۡ كَانُوا۟ مُسۡلِمِینَ٢
الرسم الإملائيّ

رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ

الجزء ١٤الربع ١٠٥ صفحة ٢٦٢

تفسيرها

[سورة الحجر — آية 2]

﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ عند النزع وما بعده ، ﴿ذَرْهُمْ﴾ أمر إهانة ، إقطع طمعك من إرعوائهم ، ودعهم عن النهي عما هم عليه ، (لعله) بالتذكرة والنصيحة ، وخلهم ﴿يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ بدنياهم ، ﴿وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ﴾ من الإيمان وشروطه ، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ سوء صنيعهم ، وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم ، وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين.

﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ أي: أجل مضروب لا يتقدم ولا يتأخر. ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾. ﴿وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ أي: القرآن ، ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ يعنون: محمد صلى الله عليه وسلم ، وكان هذا النداء منهم على وجه الاستهزاء والأذى ، كما قال فرعون : ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ ، وكيف يقرون بنزول الذكر عليه وينسبونه إلى الجنون ، والتعكيس في كلامهم للاستهزاء والتهكم شائع ، والمعنى : أنك تقول قول المجانين حيث تدعي أن الله نزل عليك الذكر ، ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ، والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة يشهدون بصدقك ، أو هلا تأتينا بالملائكة للعقاب على تكذيبنا لك إن كنت صادقا.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٨٠٤

[سورة الحجر — آية 2]

قوله : ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ هو كقوله : ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ [ المؤمنون : 99-100 ] وكقوله : ﴿ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ ولاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ [ الأَنعام : 27 ] وكقوله : ﴿ يَا ياَ لَيْتَنَا أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ ﴾ [ الأَحزاب : 66 ] . وذلك لما رأوا من كرامة الله للمؤمنين وثوابه إياهم ، فتمنّوا أن لو كانوا مسلمين ومؤمنين لينالوا ما نال المسلمون من ثواب الله وجزيل عطائه .

وقد تأوّلت الفرقة الشاكّة هذه الآية على غير تأويلها ، وردّت على الله تنزيله ، فقالوا : هم قوم من أهل التوحيد يدخلون النار ، فيعيّرهم أهل النار ، ويقولون : قد كان هؤلاء مسلمين فما أغنى عنهم؛ قالوا : فيغضب لهم ربهم فيخرجهم زعموا من النار ويدخلهم الجنة . قالوا : فعند ذلك ﴿ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ . فزعموا أن الله مخرج أقواماً من النار قد احترقوا وصاروا حمماً . فيدخلون الجنة ، فيقول أهل الجنة هؤلاء الجهنّميون . قالوا : فيدعون ربّهم فيمحي ذلك الاسم عنهم ، فيسمّون عتقاءَ ربّ العالمين ، افتراء على الله ، وكذباً عليه ، وجحوداً بتنزيله إذ يقول :

﴿ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ يعني الشرك ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ يعني الكبائر الموبقة ﴿ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [ البقرة : 81 ] وقال : ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ [ المائدة : 37 ] . وقال : ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ﴾ [ الصافات : 9 ] أي : دائم لا ينقطع . وقال : ﴿ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ [ الزخرف : 75 ] أي : يائسون .

وقال : ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَّخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ ﴾ [ الحج : 22 ] . وقال : ﴿ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾ [ فاطر : 36 ] وقال : ﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ ﴾ [ الزخرف : 77 ] وقال : ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ ﴾ [ غافر : 49 ] قالت لهم الخزنة : ﴿ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَما دُعَاء الكَافِرِينَ ﴾ أي : أهل النار ﴿ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ﴾ [ غافر : 50 ] .

فكيف بعد هذا من تنزيل الله ومحكم كتابه تزعم الفرقة الشاكة أن أهل جهنم يخرجون منها ويدخلون الجنة؟ يتّبعون الروايات الكاذبة التي ليس لها أصل في كتاب الله ، وينبذون كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون فالله الحاكم بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٨٠٤

[سورة الحجر — آية 2]

﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ الأصل فى ربما التقليل ، ويود يجب أو يتمنى ، والكفر إشراك أو شامل للفسق ، ولو مصدرية ، والمصدر مفعول يود ، وما كافة مهيئَة للفعل بعد رب ، والأَصل أَن يكون ماضيا ولا يكون مضارعا إِلا إن نزل منزلة الماضى لتحقق وقوعه ، وهو باق على الاستقبال ، أَو بمعنى الماضى مجازا ، ولا حاجة إلى جعل ما نكرة موصوفة حذف عائِدها ، أَى رب شىءٍ يوده الذين ، وهو الإِسلام ، أَو رب إِسلام يوده الذين ، ولا إلى جعل لو إِقناعية محذوفة الجواب ، أَى لسرهم ذلك ، أَو تخلصوا مما فيه؛ لأَن الأَصل عدم الحذف ، والتقليل نسبى ، فإِن أَكثر أَوقات الأشقياءِ الذهول عن ود الإسلام بما هم فيه من السوءِ ، ولو كان الود كثيرا بكثرة الوادين وتكرر تلك المرة ، وذلك أَنهم يودون الإسلام فى الدنيا حين رأَوا المسلمين غالبين ، أَو حين عاينوا الموت على غضب الله ، أَو حين دخلوا النار ، بل فى كل ذلك ، وحين القبر وحين البعث ، أَو اعتبر أَن الود لو كان قليلا لوجبت المسارعة إليه فكيف وهو كثير متكرر لظهور الفوز بالإِسلام ، قال أَبو على القالى فى الأَمالى : حدثنا عبد الرحمن بن خلف قال حدثنا أحمد ابن زهير قال حدثنا أَبو عبد الله القرشى قال حدثنا عبد الله بن عبد العزيز قال أخبرنا ابن العلاءِ أَحسبه أَبا عمر أَو أَخاه عن جويرية ابن أَسماءَ عن إسماعيل ابن أَبى حكيم : بعثنى عمر بن عبد العزيز فى الفداءِ حين ولى ، فبينما أَجول فى القسطنطينية إذ سمعت صوتا يتغنى : أَرقت وبان عنى من يلوم ، أَبياتا شعر ساقعها القالى ، قال أبو عبد الله القشرى : والشعر لنفيلة الأَشجعى ، قال : سمعت العتبى يقول : صحف فى اسمه فقال نفيلة قال إسماعيل ابن حكيم : فسأَلته حين دخلت عليه فقلت له : من أَنت؟ قال : أَنا الوابصى الذى أُخذت فعذبت فجذعت فدخلت فى دينهم ، فقلت : إِن أَمير المؤمنين بعثنى فى الفداءِ وأَنت والله أُحب أَ ، أَفديه إِلى إِن لم تكن بطنت فى الكفر ، قال : والله لا أَجعل : فقلت له : لقد كنت قارئا للقرآن ، قال : والله لقد كنت من أَقرإِ الناس ، فقلت : ما بقى معك من القرآن؟ قال : لا شىءَ إلا هذه الآية : « ربما يود الذين كفروا ولو كانوا مسلمين » اعلم أَن قولهم : حدثنا وقولهم : أَخبرنا ، وقولهم أنبأَنا بمعنى واحد ، ويجوز جعلها للكثرة لكثرة ودهم ، وتعينت ما للوصفية فى قوله :

ربما تكره النفوس من الأَمر … له فرجة كحل العقال

قد يصاب الجبان فى آخر الصف … وينجو مقارع الأَبطال

لرجوع هاءِ له إليه ، أَى رب شىءٍ تكرهه النفوس ، كان لأَبى عمرو ابن العلاءِ غلام جيد أَراده الحجاج فهرب به إلى اليمن ، أَو قرأَ ﴿ غرفة بيده ﴾ بفتح الغين وقال له : إِن لم تأْت بحجة عليه أَقتلك فهرب إلى اليمن ، فبينما هو مهموم إِذ جاءَ أِعرابى ينشد الأبيات فقال له : ما وراءَك؟ قال : مات الحجاج ، فقال : لا أَدرى بأَيهما أَنا أَنشد فرحا بموته أَو بفتح فاءَ فرجة ، وقيل بضم أَول فرجة وغرفة ، ولا داعى إلى دعوى أَن الأَصل لو كنا مسلمين ، وإِنما ذلك لو قيل : ربما يود الذين كفروا قائِلين .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٨٠٤