سورة الحجر · الآية ٣ من ٩٩

‹ السورة السابقة
ذَرۡهُمۡ یَأۡكُلُوا۟ وَیَتَمَتَّعُوا۟ وَیُلۡهِهِمُ ٱلۡأَمَلُۖ فَسَوۡفَ یَعۡلَمُونَ٣
الرسم الإملائيّ

ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ

الجزء ١٤الربع ١٠٥ صفحة ٢٦٢

تفسيرها

[سورة الحجر — آية 3]

﴿رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ عند النزع وما بعده ، ﴿ذَرْهُمْ﴾ أمر إهانة ، إقطع طمعك من إرعوائهم ، ودعهم عن النهي عما هم عليه ، (لعله) بالتذكرة والنصيحة ، وخلهم ﴿يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ﴾ بدنياهم ، ﴿وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ﴾ من الإيمان وشروطه ، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ سوء صنيعهم ، وفيه تنبيه على أن إيثار التلذذ والتنعم ، وما يؤدي إليه طول الأمل ليس من أخلاق المؤمنين.

﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ وَلَهَا كِتَابٌ مَّعْلُومٌ﴾ أي: أجل مضروب لا يتقدم ولا يتأخر. ﴿مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾. ﴿وَقَالُواْ يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ أي: القرآن ، ﴿إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ يعنون: محمد صلى الله عليه وسلم ، وكان هذا النداء منهم على وجه الاستهزاء والأذى ، كما قال فرعون : ﴿ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ ﴾ ، وكيف يقرون بنزول الذكر عليه وينسبونه إلى الجنون ، والتعكيس في كلامهم للاستهزاء والتهكم شائع ، والمعنى : أنك تقول قول المجانين حيث تدعي أن الله نزل عليك الذكر ، ﴿لَّوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلائِكَةِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ ، والمعنى: هلا تأتينا بالملائكة يشهدون بصدقك ، أو هلا تأتينا بالملائكة للعقاب على تكذيبنا لك إن كنت صادقا.

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٨٠٥

[سورة الحجر — آية 3]

قوله : ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ﴾ يعني المشركين ، يأكلوا ويتمتعوا في الدنيا ﴿ وَيُلْهِهِمُ الأَمَلُ ﴾ الذي يأملون من الدنيا ﴿ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي : يوم القيامة وهذا وعيد هوله شديد . وكان هذا قبل أن يؤمر بقتالهم ، ثم أمر بقتالهم ، ولا يدعهم حتى يسلموا أو يقتلوا ، يعني مشركي العرب .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « المؤمن يأكل في مِعًى واحد ، والكافر يأكل في سبعة أمعاء »

ذكروا عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر »

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٨٠٥

[سورة الحجر — آية 3]

﴿ ذَرْهُمْ ﴾ اتركهم لا تأْمرهم ولا تنههم ولا تخبرهم بشىءٍ من الدين فإِنه لا يؤثر فيهم كلام ، وذلك إِقناط منهم ، وما عليك فقد أِبلغت ، ولا نسخ فى مثل هذا بآية القتال ، فإِنه مما يقال فيهم ولو أُذن بالقتال لا يستعمل له ماض إلا قليلا كما قيل عنه صلى الله عليه وسلم : ذروا الحبشة ما وذرتكم فإِنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين ، وهذا تهيديد لهم على لسانه صلى الله عليه وسلم ، كما هددهم الله سبحانه برد الضمير إليه معهم فى قوله : « ذرنى ومن خلقت وحيدا » والمراد ذرهم وقل لهم كلوا وتمتعوا وليلهكم الأَمل فسوف تعلمون ﴿ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ﴾ قدم الأَكل لأَنه فى البهائِم أَشد ، وهم أَخس منها وأَمرهم بها هو غاية مطلوبهم وأَشد لذمهم أَمر تهديد ﴿ ويُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ فيكون تهديدا خوطبوا به إِذ قال لهم كلوا وتمتعوا وليلهكم الأَمل فسوف تعلمون ، فذكر الله أنهم وافقوا هذا الخطاب بقوله يأْكلوا إلخ ، يأْكلون من اللذائِذ الحلال والحرام ، ويتمتعون بالمحرمات من اللباس والزنى وغيره من الدنيا الحلال والحرام ، ومنها المراكب الجيدة والمساكن الحسنة ، ويلههم أَملهم الطويل عن التذكر والاستعداد للبعث الذى أَنكره منكرهم وشك فيه شاكهم ، وساعدهم على ذلك استقامة الدنيا لهم ، وقد طمعوا فى طول العمر مع ظنهم أَن أَموالهم هى التى أَخلدتهم أََى أَبقتهم أَحياءً ، وسوف يعلمون عاقبة ذلك ، وهو النار الدائِمة ، وما قبلها من عذاب الموت والقبر والبعث والمحشر والخزى والإِهانة ، وذلك لمشاهدتهم المدلول عليها بالعلم ، قال صلى الله عليه وسلم : « صلاح هذه الأُمة بالزهد واليقين ، ويهلك آخرها بالبخل والأَمل » وعن على : إِنما أَخشى عليكم اثنين : طول الأَمل وابتاع الهوى ، فإِن طول الأَمل ينسى الآخرة واتباع الهوى يصد عن الحق .

افتحه في القارئ · صفحة ١٬٨٠٥