تفسير كتاب الله العزيز هود بن محكم الهواري

سورة الحجر

الجزء الحجر · صفحة ٠
[سورة الحجر — آية 2]

قوله : ﴿ رُّبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ هو كقوله : ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ المَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾ [ المؤمنون : 99-100 ] وكقوله : ﴿ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ ولاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ ﴾ [ الأَنعام : 27 ] وكقوله : ﴿ يَا ياَ لَيْتَنَا أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرَّسُولاَ ﴾ [ الأَحزاب : 66 ] . وذلك لما رأوا من كرامة الله للمؤمنين وثوابه إياهم ، فتمنّوا أن لو كانوا مسلمين ومؤمنين لينالوا ما نال المسلمون من ثواب الله وجزيل عطائه .

وقد تأوّلت الفرقة الشاكّة هذه الآية على غير تأويلها ، وردّت على الله تنزيله ، فقالوا : هم قوم من أهل التوحيد يدخلون النار ، فيعيّرهم أهل النار ، ويقولون : قد كان هؤلاء مسلمين فما أغنى عنهم؛ قالوا : فيغضب لهم ربهم فيخرجهم زعموا من النار ويدخلهم الجنة . قالوا : فعند ذلك ﴿ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ ﴾ . فزعموا أن الله مخرج أقواماً من النار قد احترقوا وصاروا حمماً . فيدخلون الجنة ، فيقول أهل الجنة هؤلاء الجهنّميون . قالوا : فيدعون ربّهم فيمحي ذلك الاسم عنهم ، فيسمّون عتقاءَ ربّ العالمين ، افتراء على الله ، وكذباً عليه ، وجحوداً بتنزيله إذ يقول :

﴿ بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً ﴾ يعني الشرك ﴿ وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ ﴾ يعني الكبائر الموبقة ﴿ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ [ البقرة : 81 ] وقال : ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ [ المائدة : 37 ] . وقال : ﴿ وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ ﴾ [ الصافات : 9 ] أي : دائم لا ينقطع . وقال : ﴿ لاَ يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ [ الزخرف : 75 ] أي : يائسون .

وقال : ﴿ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَّخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ ﴾ [ الحج : 22 ] . وقال : ﴿ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴾ [ فاطر : 36 ] وقال : ﴿ وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ ﴾ [ الزخرف : 77 ] وقال : ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِّنَ الْعَذَابِ ﴾ [ غافر : 49 ] قالت لهم الخزنة : ﴿ أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَما دُعَاء الكَافِرِينَ ﴾ أي : أهل النار ﴿ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ ﴾ [ غافر : 50 ] .

فكيف بعد هذا من تنزيل الله ومحكم كتابه تزعم الفرقة الشاكة أن أهل جهنم يخرجون منها ويدخلون الجنة؟ يتّبعون الروايات الكاذبة التي ليس لها أصل في كتاب الله ، وينبذون كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون فالله الحاكم بيننا وبينهم وهو خير الحاكمين .

١٬٨٠٤ / ٦٬٢٣٦