سورة الحجر
الجزء الحجر · صفحة ٠﴿ ذَرْهُمْ ﴾ اتركهم لا تأْمرهم ولا تنههم ولا تخبرهم بشىءٍ من الدين فإِنه لا يؤثر فيهم كلام ، وذلك إِقناط منهم ، وما عليك فقد أِبلغت ، ولا نسخ فى مثل هذا بآية القتال ، فإِنه مما يقال فيهم ولو أُذن بالقتال لا يستعمل له ماض إلا قليلا كما قيل عنه صلى الله عليه وسلم : ذروا الحبشة ما وذرتكم فإِنه لا يستخرج كنز الكعبة إلا ذو السويقتين ، وهذا تهيديد لهم على لسانه صلى الله عليه وسلم ، كما هددهم الله سبحانه برد الضمير إليه معهم فى قوله : « ذرنى ومن خلقت وحيدا » والمراد ذرهم وقل لهم كلوا وتمتعوا وليلهكم الأَمل فسوف تعلمون ﴿ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا ﴾ قدم الأَكل لأَنه فى البهائِم أَشد ، وهم أَخس منها وأَمرهم بها هو غاية مطلوبهم وأَشد لذمهم أَمر تهديد ﴿ ويُلْهِهِمُ الأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ فيكون تهديدا خوطبوا به إِذ قال لهم كلوا وتمتعوا وليلهكم الأَمل فسوف تعلمون ، فذكر الله أنهم وافقوا هذا الخطاب بقوله يأْكلوا إلخ ، يأْكلون من اللذائِذ الحلال والحرام ، ويتمتعون بالمحرمات من اللباس والزنى وغيره من الدنيا الحلال والحرام ، ومنها المراكب الجيدة والمساكن الحسنة ، ويلههم أَملهم الطويل عن التذكر والاستعداد للبعث الذى أَنكره منكرهم وشك فيه شاكهم ، وساعدهم على ذلك استقامة الدنيا لهم ، وقد طمعوا فى طول العمر مع ظنهم أَن أَموالهم هى التى أَخلدتهم أََى أَبقتهم أَحياءً ، وسوف يعلمون عاقبة ذلك ، وهو النار الدائِمة ، وما قبلها من عذاب الموت والقبر والبعث والمحشر والخزى والإِهانة ، وذلك لمشاهدتهم المدلول عليها بالعلم ، قال صلى الله عليه وسلم : « صلاح هذه الأُمة بالزهد واليقين ، ويهلك آخرها بالبخل والأَمل » وعن على : إِنما أَخشى عليكم اثنين : طول الأَمل وابتاع الهوى ، فإِن طول الأَمل ينسى الآخرة واتباع الهوى يصد عن الحق .