إِلَّا عِبَادَكَ مِنۡهُمُ ٱلۡمُخۡلَصِینَ٤٠
الرسم الإملائيّ
إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ
الجزء ١٤الربع ١٠٥ صفحة ٢٦٤
تفسيرها
﴿قَالَ: رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي﴾ أضللتني وأبعدتني من رحمتك ، ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ﴾ المعاصي ﴿فِي الأَرْضِ﴾ ، في الدنيا التي هي دار الغرور ، ﴿وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ، إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ ، وهم الذين أخلصوا لك الطاعة والتوحيد وفتح من فتح اللام ، أي: من أخلصته لتوحيدك ، فاصطفيته وهديته ، استثناهم لأنه علم أن كيده لا يعمل فيهم ولا يقبلون منه.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٨٤٢
﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي ﴾ قال الحسن : يريد قوله في أول الكلام ﴿ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ . قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي ﴾ أي : لعنتني ﴿ لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ ﴾ أي : يزين لهم الدنيا فيأمرهم بها ويخبرهم أنه لا بعث ولا حساب ولا جنة ولا نار ، يوسوس ذلك إليهم .
قال : ﴿ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المُخْلَصِينَ ﴾ أي : الذين أخلصوا القول والعمل فوفوا لله بهما .
هو كقوله : ﴿ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَليلاً ﴾ [ الإسراء : 62 ] وكقوله : ﴿ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ [ الأعراف : 17 ] أي : مؤمنين . وكان الحسن يقرأها : ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ ﴾ [ سبإ : 20 ] يرفع الظن وينصب إبليسَ . يقول صدق عليهم ظنه ولم يقل ذلك بعلم . وكان مجاهد يقرأها مثقلة : ﴿ وَلَقد صَدَّقَ عَلَيْهُم إِبْلِيسُ ظَنَّه فَاتَّبَعُوهُ ﴾ يرفع إبليس وينصب الظنّ .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٨٤٢
﴿ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِى ﴾ ما مصدرية والباءُ للقسم أى فبإِغوائِك إياى ، وجوابه قوله تعالى : ﴿ لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِى الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلِصِينَ ﴾ ومفعول اُزين محذوف للعموم تقديره لأُزينن لهم فى الأرض المعاصى وما يوصل إليها أو ينقصها أو يقللها ، وفى الآية القسم بفعل الله وهو الإغواء ، والحلف فى ذلك فقيل حائِز وهو الصحيح عندى ، وقيل غير جائِز ، فقيل ينعقد فتلزم الكفارة بالحنث وهو الصحيح عندى ، وقيل : لا ينعقد فلا فلا تلزم ، وفى سورة ص القسم بالصفة وهى العزة إِذ قال : فبعزتك ، وفى الأعراف بالفعل وهو الإغواءُ ، والقصة واحدة ، فإما أن يكون أقسم مرتين مرة بفعل الله وهو ما هنا وفى الأَعراف ، وتارة بصفته وهو ما فى ص ، وأَما أَن تجعل ما اسماً واقعاً علىلعزة وحذف الرابط المجرور ولو بلا وجود لشروط حذفه ، فإن من النجاة من أجاز الحذف بدليل مطلقاً وأَجاز حمل الكلام عليه ، والتقدير فبما أغويتنى بها مراعاة للمعنى أَو به مراعاة اللفظ كأَنه قيل : فبعزتك التى أغويتنى بها ، وإما أن تجعل الباءَ سببية متعلقة بمحذوف أَى أَجتهد فى كيدهم لإغوائك إياى ، والمعتزلة منعوا أَن يحدث الله الضلال ، فأَولوا الإِغواء بالنسبة إلى الغى مثل تأْويل أن يغل بأَن ينسب إِلى الغلوب ، أَو بكونه سببا لغيه ، وذلك بأَمره بالسجود المترتب عليه الامتناع منه ، ذهب بعض معتزلة البصرة إِلى وجوب الأَصلح فى الدين ، أَى الأَنفع لعبده على الله وذلك مذهب الجبائِى ، وقال بعض معتزلة البصرة كذلك إلا أن الأولين اعتبروا الأَنفع فى جانب علم الله منه الكفر على تقدير التكليف يجب عليه تعريضه للثواب بأَن لا يموت صغيرا أو كبيرا مجنونا من صغره إلى موته ، وقالت معتزلة بغداد إِنه يجب على الله الأصلح فى الدين والدنيا معا بمعنى الأَوفق فى الحكمة والتدبير ، وأَمهل إبليس ليزداد عذابا ويلتحق به متبعوه ويعظم الثواب لمن خالفهم ، ولا واجب على الله ، وقد علم إبليس أن فعل العبد منسوب إلى الله ومخلوق له ، وذلك كالإِغواءِ هنا ، وجهلته المعتزلة ، والأَرض أرض الدنيا أَنى أغويهم فى الأرض كما أغويت أباهم فى الجنة ، وأن له قوة ، وأَراد بالأرض الحياة الدنيا ، والهاءُ فى لهم للناس ، ومعنى أغويتنى خذلتنى ، ومعنى أُغوينهم أحملهم على الغواية بالوسوسة ، والمخلصين من اختارهم الله بالهدى والسعادة فيؤمنوا ، ولا يؤثر فيهم كيد إبليس ، ولو لم يقل إلا عبادك لكان كاذبا ، فقال له تحرز عن قبح الكذب لخبثه فى ذلك ، لا لتقوى ولا لخوف .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٨٤٢