وَلَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّتِی نَقَضَتۡ غَزۡلَهَا مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٍ أَنكَٰثࣰا تَتَّخِذُونَ أَیۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَیۡنَكُمۡ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِیَ أَرۡبَىٰ مِنۡ أُمَّةٍۚ إِنَّمَا یَبۡلُوكُمُ ٱللَّهُ بِهِۦۚ وَلَیُبَیِّنَنَّ لَكُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَٰمَةِ مَا كُنتُمۡ فِیهِ تَخۡتَلِفُونَ٩٢
الرسم الإملائيّ
وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ
الجزء ١٤الربع ١١١ صفحة ٢٧٧
تفسيرها
﴿وَلاَ تَكُونُواْ﴾ في نقض الأيمان ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ كالمرأة الغازلة بعد أن أحكمته وأبرمته ﴿أَنكَاثًا﴾ جمع نكث ، وهو ما ينكث فتله . قيل: هي امرأة كانت حمقاء خرقاء ، تغزل هي وجواريها من الغداة إلى الظهيرة ، ثم تأمرهن فينقضن ما غزلن ، والمعنى: أنها لم تكف عن الغزل ، ولا حين عملت كفت عن النقض (لعله) فتستريح ، وهي كحمار الطاحونة الذي يسير منه ﴿و﴾يجيء إليه ، وذلك كل عمل يعمله الإنسان من الطاعات ، ثم يعقبها بالمعاصي فتحبط بها ، ﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾ أي: دخلا وخيانة وخديعة ، والدخل: ما يدخل في الشيء الفساد. وقيل:﴿ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى﴾ أزيد عددا ، أو أوفر مالا ﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾ من جماعة المؤمنين ، ﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللّهُ بِهِ﴾ أي: إنما يختبركم بكونكم أربى ، لينظر أتتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله ، وما وكدتم من أيمان البيعة لرسول الله والمؤمنين ، أم تغترون بكثرة أهل الفسق وثروتهم ، وقلة المؤمنين وفقرهم ، ﴿وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ في الدنيا ، وفيه تحذير عن مخالفة ملة الإسلام.
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٩٣
قوله : ﴿ وَلاَ تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثاً ﴾ أي : تنكثون العهد ، يعني المؤمنين ، ينهاهم عن ذلك . قال : فيكون مثلكم ، إن نكثتم العهد ، كالتي نقضت غزلها من بعد قوة ، أي : من بعد ما أبرمته ، فنقضته بعد ما كان غزلاً قوياً ، ﴿ أَنْكَاثاً ﴾ أي : عن العهد . قال : ﴿ وَلاَ تَنقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ﴾ وهو تقديم ، وفيه إضمار .
قال : ﴿ تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ ﴾ أي : عهدكم ﴿ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ أي : خيانة وغدراً ، كما صنع المنافقون الذين خانوا الله إذ نقضوا الأَيمان فقالوا ولم يعملوا ، وتركوا الوفاء بما أقروا لله به . والدخل هو الخيانة . ﴿ أَن تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ ﴾ أي : أكثر من أمة . يقول فتنقضوا عهد الله لقوم هم أكثر من قوم . وقال بعضهم ﴿ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ ﴾ أي : [ أن يكون قوم ] أعز من قوم .
وقال بعضهم : يقول : العهد بين الناس فيما وافق الحق .
والمرأة التي ضربت مثلاً في غزلها كانت حمقاء تغزل الشعر ، فإذا غزلته نقضته ، ثم عادت فغزلته .
وتفسير مجاهد قال : هذا في الحلفاء؛ كانوا يحالفون الحلفاء ، ثم يجدون أكثر منهم وأعزَّ ، فينقضون حلف هؤلاء ، ويحالفون الذين هم أعز؛ فنهوا عن ذلك .
قوله : ﴿ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ ﴾ أي : بالكثرة ، يبتليكم ، يختبركم ﴿ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ مَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ أي : من الكفر والإِيمان .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٩٣
﴿ وَلاَ تَكُونَوا كَالَّتِى نَقَضَتْ ﴾ فكت ﴿ غَزْلَهَا ﴾ مغزولها ﴿ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ﴾ شدة المغزول وإتقانه ﴿ أَنْكَاثًا ﴾ أقسامًا منكوئة حال مقارنة ، أو مفعول مطلق بمعنى نقضا أو مفعول ثان لتضمن نقضت معنى صيرته ، امرأة حمقاء ، من قريش اسمها ريطة بنت سعد بن تميم ، اتخذت مغزلا قدر ذراع وصنارة مثل الأصبع ، وفلكة عظيمة على قدر ذلك تغزل هى وجواريها من الغداة إِلى الطهى ، ثم تأمر عن فينقضن ما غزلن ، وقيل امرأة اسمها ريطة بنت عمرو المرية ، تلقب الحفراء ، وكلتاهما تسمى خرقاء مكة .
وأخرج ابن حاتم عن أبى بكر بن حفص ، أن سعيدة الأسدية مجنونة تجمع الشعر والليف ، فنزلت الآية ، وذكر ابن مردويه ، عن ابن عطاء أنها شكت جنونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : « إن شئتِ دعوت الله يعافك ، وإن شئتِ اصبرى تدخلى الجنة » ، فاختارت الصبر والجنة ، وذكر عطاء أن ابن عباس أراه إياها .
وقيل ليست الآية فى امرأة مخصوصة ، بل مطلق من تفعل ذلك ، ومن ذلك نساء نجد ، تنقض إحداهن غزلها وتنقشه فتغزله بالصوف ، وجملة قوله :
﴿ تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ ﴾ خبر ثان لتكون ، أو حال من اسمه أو من المستتر فى كالتى ، ولا حاجة إِلى تقدير : أتتخذون بالاستفهام الإنكارى على الاستئناف ، وأَيضا يصح الإنكار بلا همز كما تعيب على أحد وتذمه بذكر فعله الخسيس ، ودخلا فساداً وغشًا فى محالفتكم أن تحالفوا قومًا ، فإذا رأيتم أعز منهم أو أكثر نقضتم المحالفة وحالفتم ، الأعزّاء والأكثر .
﴿ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِىَ مِنْ أُمَّةٍ ﴾ أكثر من أمة أى بأن تكون . أو لأن تكون متعلق بتتخذون ، أو يقدر محلفة أن تكون ، أو طمع أن تكون وأما بأن تنقضوها لأن تكون ، فيضعف لمزيد الحذف ، فلا يقدر القرآن به ، والمعنى بأن تحالفوا الأمة الأكثر عدداً ومالا أو عزاً ، أو تعذروا بالأولى وإنما يقرهم الله على المحالفة التى فى المحافظة التى على الحقوق ، وهى ضمير فصل ، ولو كان اسمها نكرة ، هذا مذهب الكوفيين ويجوز كونها بلا خبر .
﴿ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ ﴾ يختبركم ﴿ اللهُ ﴾ ويكلفكم ﴿ بِه ﴾ بالإيفاء بالعهد ، أو بالأمر بالإيفاء ، أو بكون الأمة أربى ، أو بالرّبُوّ ، واختار بعضهم عوده إِلى الكون المذكور ، والمعنى يخبركم أتبقون أيها المؤمنون على بيعة الرسول ، وعلى ما أنتم عليه ، أو تنقضون ، وذلك لكثرة قريش ، وقلة المؤمنين كعادة قريش فى الجاهلية ، ينقضون الحلف إذا رأوا كثرة وعزة فى آخرين .
﴿ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ﴾ من التصديق والتكذيب ، والبقاء على العهد ، ونقضه فيجازيكم على ذلك .
افتحه في القارئ · صفحة ١٬٩٩٣