سورة الإسراء · الآية ٣٩ من ١١١

‹ السورة السابقة
ذَٰلِكَ مِمَّاۤ أَوۡحَىٰۤ إِلَیۡكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلۡحِكۡمَةِۗ وَلَا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتُلۡقَىٰ فِی جَهَنَّمَ مَلُومࣰا مَّدۡحُورًا٣٩
الرسم الإملائيّ

ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا

الجزء ١٥الربع ١١٤ صفحة ٢٨٦

تفسيرها

[سورة الإسراء — آية 39]

ذَلِكَ}إشارة إلى ما تقدم من قوله:﴿ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى هذه الغاية ، ﴿مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ مما يحكم العقل بصحته ، وتصلح النفس بعمله ، (لعله) لأن كل ما أمر الله به ونهى عنه فهو حكمة. ﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا﴾ مطرودا من الرحمة . عن ابن عباس :" هذه الثماني عشرة آية كانت في ألواح موسى أولها:﴿لاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ ، وآخرها:﴿ مَّدْحُورًا﴾". ولقد جعلت فاتحتها وخاتمتها: النهي عن الشرك ، لأن التوحيد رأس كل حكمة وملاكها ، ومن عدمه لم تنفعه حكمه ، وإن بذ فيها الحكماء ، وحك بيافوخه السماء ، وما أغنت عن الفلاسفة أسفار الحكم ، وهم عن دين الله أضل من الغنم.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٠٦٨

[سورة الإسراء — آية 39]

﴿ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إِلَهًا ءَاخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورًا ﴾ أي : ملوماً في نقمة الله ، مدحوراً في عذاب الله . والمدحور المطرود المبعد المقصى عن الجنة في النار .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٠٦٨

[سورة الإسراء — آية 39]

﴿ ذَلِكَ ﴾ ما ذكر من الخمس والعشرين ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما : ثمانى عشرة آية من : لا جعل إلى مدحوراً عشر آيات فى التوراة ، وعنه رضى الله عنه : التوراة كلها فى خمس عشرة آية من هذه السورة ، ثم تلا ﴿ ولا تجعل ﴾ .

﴿ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ﴾ هى معرفة الحق سبحانه لذاته ، ومنها التوحيد ، ومعرفة الخير للعمل به ، ومنه باقى التكاليف التى لا نسخ ، والأمر بالقسمين موعظة ، وقد فسرت الحكمة بالموعظة ومن الحكمة حال من ما أو من هذه المحذه المحذوفة ، أو بدل من ما .

﴿ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرْ ﴾ ذكره أولا ، ورتب عليه ما ، وغاية الشرك فى الدنيا ، وهو الذم والخذلان ، والتوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه ، ورأس الحكمة ، فإنه لا عبرة بعمل من لا قصد له ، أو قصد به غير الله عز وجل ، أو مع الله ، وذكره ثانياً ، ورتب عليه ما هو غاية فى الآخرة كما قال :

﴿ فَتُلْقَى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا ﴾ تلومك الملائكة ، وتلوم نفسك ، قال الله عز وجل : ﴿ ولا أقسم بالنفس اللوامة ﴾ ﴿ مَدْحُورًا ﴾ مبعداً عن رحمة الله عز وجل ، ومن الإشراك وصف الله بالولادة ، ولا سيما أخس الأولاد وهو الإناث كما قال :

﴿ أَفَأَصْفَاكُمْ ﴾ أى أفضلكم على نفسه ، فأصفاكم ﴿ رَبُّكُمْ بِالبَنِينَ ﴾ اختاركم على نفسه بالبنين أولاداً لكم خاصة ، والإصفاء بالشئ جعله خالصاً لشئ .

﴿ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ إِنَاثًا ﴾ بنات له ، وهن نواقص تدفنونهن سبحانه ، هذا مما تنكره عقولكم ، فكيف كابرتموها؟ القائلون الملائكة بنات الله ، هم خزاعة وبعض النصارى يجعلون لله ما يكرهون ، و ذلك من تلوين الخطاب من مخاطب إلى مخاطب ، والاستفهام التوبيخى منسحب على أصفاكم ، وعلى اتخذ المعطوف على أصْفاكم ، واتخذ مقعد لواحد ، ومن متعلق به أو حال من إناثاً أو معد لاثنين ثانيهما من الملائكة ، أو بنات محذوف ، ومن الملائكة حال من إِناثاً ، ومن على كل حال للبيان لا للتبعيض ، لأنهم يقولون الملائكة بنات الله لا بعض الملائكة ، واختار إِناثاً على بنات لأنه أصرح فى الأنوثة التى هى أخص صفات الحيوان قال الله عز وجل : ﴿ وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً ﴾ كفروا نسبة الولادة لله ، وكفروا باعتقاد أن الملائكة إِناث .

﴿ إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيمًا ﴾ لأن الولادة تولد التجسيم لله ، والجسم ناقص فإنه حادث عاجز ، وما يلد يفى ، ولتفضيل أنفسهم بالبنين على الله ، وإِثبات الولادة نفى للألوهية .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٠٦٨