سورة الإسراء · الآية ٥٩ من ١١١

‹ السورة السابقة
وَمَا مَنَعَنَاۤ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡءَایَٰتِ إِلَّاۤ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَیۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةࣰ فَظَلَمُوا۟ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡءَایَٰتِ إِلَّا تَخۡوِیفࣰا٥٩
الرسم الإملائيّ

وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا

الجزء ١٥الربع ١١٥ صفحة ٢٨٨

تفسيرها

[سورة الإسراء — آية 59]

﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ﴾ استعير المنع لترك إرسال الآيات ، والمعنى : وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين ، والمراد"بالآيات": التي اقترحتها قريش ، من قلب الصفا ذهبا ، ومن إحياء الموتى ، وغير ذلك ، وسنة الله في الأمم أن من اقترح منهم آية فأجيب إليها ، ثم لم يؤمن ، أن يعاجل بعذاب الاستئصال ، والمعنى : وما منعنا أن إرسال ما يقترحونه من الآيات ، إلا أن كذب بها الذين هم أمثالهم في المطبوع على قلوبهم كعاد وثمود ، وإنها لو أرسلت لكذبوا بها تكذيب أولئك ،وعذبوا العذاب المستأصل ، وقد حكمنا أن نؤخر أمر من يبعث إليهم إلى يوم القيامة . ثم ذكر من تلك الآيات _ التي اقترحها الأولون ، ثم كذبوا بها لما أرسلت فأهلكوا – واحدة ، وهي ناقة صالح ، لأن آثار هلاكهم قريبة ، وقال الله فيهم : ﴿ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ﴾ ، لأن هذه الأمة هي آخر الأمم ، وليس أمة بعد أن استؤصلوا ، والله أعلم بتأويل كتابه. ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ﴾ (لعله) باقتراحهم ، ﴿مُبْصِرَةً﴾ أنه بينة . ﴿فَظَلَمُواْ بِهَا﴾ فكفروا بها ، ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ﴾ أي: العبر والدلالات ، ﴿إِلاَّ تَخْوِيفًا﴾ للعباد (لعله) ليؤمنوا.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٠٨٨

[سورة الإسراء — آية 59]

قوله : ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالأَيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ ﴾ أي : إن القوم كانوا إذا سألوا نبيَّهم الآيةَ فجاءتهم الآية ، لم يؤمنوا فيُهلكهم الله . وهو كقوله : ﴿ قَالُوا ﴾ يعني مشركي العرب للنبي : ﴿ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الأَوَّلُونَ ﴾ أي : موسى وعيسى والرسل التي جاءت قومها بالآيات . قال الله : ﴿ مَا ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ ﴾ أي : من أهل قرية ﴿ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ [ الأنبياء : 5-6 ] أي : لا يؤمنون لو جاءتهم أية . وقد أخَّر الله عذاب كفار آخر هذه الأمة بالاستئصال إلى النفخة الأولى . قال : ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالأَيَاتِ ﴾ إلى قومك يا محمد ﴿ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ ﴾ وكنا إذا أرسلنا إلى قوم بآية فلم يؤمنوا أهلكناهم ، فلذلك لم نرسل لهم بالآيات ، لأن آخر كفار هذه الأمة أُخِّروا إلى النفخة الأولى .

قال بعضهم : قال أهل مكة للنبي عليه السلام : إن كان ما تقول حقّاً ، ويَسُرُّك أن نؤمن لك فحوِّل لنا الصفا ذهباً ، فأتاه جبريل فقال : إن شئت كان الذي سألك قومك ، ولكن إن هم لم يؤمنوا لم يُنظَروا ، وإن شئت استأنيتَ بقومك . قال : لا ، بل أستأني بقومي . فأنزل الله : [ ﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بِالأَيَاتِ إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ ﴾ ] وأنزل : ﴿ مَا ءَامَنَتْ قَبْلَهُم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ ﴾ .

قوله : ﴿ وَءَاتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً ﴾ أي : بيّنة . [ وقال مجاهد : آية ] ﴿ فَظَلَمُوا بِهَا ﴾ أي : ظلموا أنفسهم بعقرها ﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِالأَيَاتِ إِلاَّ تَخْوِيفاً ﴾ . أي : يخوّفهم الله بالآيات فيخبرهم أنهم إذا لم يؤمنوا بعد مجيء الآية عذَّبهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٠٨٨

[سورة الإسراء — آية 59]

﴿ وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآيَاتِ ﴾ الدالات على رسالتك اللاتى اقترحتها قريش منك ﴿ إِلاّ أَنْ كذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ ﴾ فيكذبون بها كما كذب بها الأولون المهلكون بالتكذيب ، فيستحقون الإهلاك كالأولين ، وليس فى قضائنا إهلاكهم كالأولين باموت فجأة بمرة أو بالصواعق وبالإغراق أو نحو ذلك لإتمام أمر محمد ، ومن يؤمن من أمته ، ومن يلدون من المؤمنين اقترحوا منه صلى الله عليه وسلخ أن يجعل الصفا ذهباً ، وأن يزيل الجبال من مكة للحرث ، وينحر العيون ونحو ذلك ، فسأل الله فأجابه على أنه إن لم يؤمنوا عجَّل إهلاكهم كثمود وقوم عيسى ، فقال صلى الله عليه وسلم : « لا أريد إهلاكهم رجاء للإيمان » فنزلت الآية .

والمنع الصرف عن الشئ قهراً أو استيلاء ، والله لا يقهره أحد ، ولا يستولى عليه ، قيل فهو بمعنى الترك ، والمعنى وما تركنا ، وذلك تعبير بالسبب ، والملزوم عن المسبب واللازم ، وفيه أنه لا يتصور أن يكون إن كذب بها الأولون فاعلا لمنع مع أنه بمعنى الترك ، لأن التارك هو الله ، لا تكذيب ، وأجيب بأنه لا يلزم اتحاد الفاعل فى المعنى الحقيقى والمجازى ، وهو جواب لا يصح فإنه لا بد من موافقة العبارة فى المعنى المجازى لها فى المعنى الحقيقى ، والمناسب تركها بإسكان الكاف أن يكون إن كذب تعليلا بلام محذوفة ، فالواضح أن يفسر منعنا بصرفنا فلا قهر .

والباء فى بالآيات صلة فى المفعول أو الملابسة ، والمفعول محذوف أى لن ترسل رسولا متلبسا بالآيات ، والضمير فى بها للآيات علىرطريق الاستخدام ، لأن ما أرسله على الأولين ليس عين ما يرسله على قريش لو كان يرسله ، أو يقدر مضافاً أى إِلا إن كذب بمثلها .

ويجوز أن يكون منعنا بمعنى دعانا فيندر إلى أن نرسل ، والمراد الأولين المهلكون بالعذاب كقوم نوح وعاد وثمود ، ممن قريش على طبيعتهم ، وصرح ببعض الأولين المكذبين بالآيات المفترحين لها ، المهلكين فى قوله عز وجل :

﴿ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ ﴾ خارجة من صخرة ، وبْراء عشراء أو يتبعها ولدها على ما فى محله ﴿ مُبْصِرَةً ﴾ مهتدية ، إسناد الاهتداء إليها مجاز عقلى ، لأنها سبب فيه ، لو عقلوا أو يقدر مضاف أى مبصراً أهلها لو عقلوا ، وأولى من ذلك أنه متعد أى مصيِّرة للناس بصيرين أو مهتدين ، لو تأملوا لخروجها من صخرة ملساء حاملة بولدها ، أو خروجها به تابعًا لها ، وعظم جثتها وضرعها ، أو ذلك النسب أى ذات بصيرة فى نفسها أى اهتداء كالعاقل ، أو ذات إِبصار للناس .

﴿ فَظَلَمُوا بِهَا ﴾ ظلموا أنفسهم بسببها ، إِذ قتلوها ، أو كانوا ظالمين بسبب قتلها ، وقيل : ظلموا بها : كفروا بها ، وأهلكهم الله ، وخص الناقة بالذكر لأنها من أموال العرب ، وهم عرب ، ولأن ثمود عرب ، ولأنهم أجدادهم ، ولأنهم يمرون بمنازلهم فى الذهاب إلى الشام ، فيشاهدونها .

﴿ وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلاّ تَخْوِيفًا ﴾ ما نرسل الآيات فالباء صلة ، أو ما نرسل نبيًّا مع الآيات إِلا تخويفًا للكافرين من نزول العذاب ، فإن كانت بغير اقتراح ولم يؤمنوا ، ترك إهلاكهم ، ويموتون بدون استئصال ، وعذبوا يوم القيامة ، فالتخويف مع الاقتراح بعذاب الدنيا وبعده عذاب الآخرة ، ومع غير اقتراح كسائر المعجزات ، وكتب الله كالقرآن بعذاب الآخرة .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٠٨٨