سورة الكهف · الآية ٤١ من ١١٠

‹ السورة السابقة
أَوۡ یُصۡبِحَ مَاۤؤُهَا غَوۡرࣰا فَلَن تَسۡتَطِیعَ لَهُۥ طَلَبࣰا٤١
الرسم الإملائيّ

أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا

الجزء ١٥الربع ١١٩ صفحة ٢٩٨

تفسيرها

[سورة الكهف — آية 41]

﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ غائرا ن أي: ذاهبا في الأرض ، وفي المعنى: كل (لعله) من كفر بالله فماله بهذه الصفة ، لأنه لا ينتفع به في دينه ، بل أشد خسرانا منه ، لأنه متعذب به في الدارين ، وإن كان موجودا في يده متصرفا فيه ، ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ فلا يتأتى لك طلبه ، فضلا عن الوجود ، والمعنى: إن ترني أفقر منك ، فأنا أتوقع من صنع الله أن يقلب ما بي وما بك من الفقر والغنى ، فيرزقني في الدنيا لإيماني جنة أتقوى بها على مرضاته ، خيرا من جنتك ، لأنها لك استدراج وغرور ، ويسلبك إياها لكفرك ، فلا يبقى لك منها إلا الخسران ، وذلك تفرس منه في عواقب الأمور ، وقد كان بهما ما توقع ، فقال:

﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ هو عبارة عن إهلاكه ، وأصله : من " أحاط به العدو" ، لأنه إذا أحاط به ، فقد ملكه واستولى عليه ، ثم استعمل في كل إهلاك ، ﴿فَأَصْبَحَ﴾ أي: الكافر ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ يضرب أحدهما على الأخرى ندما وتحسرا ، وإنما صار تقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر ، لأن النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن ، كما كنى عن ذلك بعض الكف ، والسقوط في اليد ، لأنه في معنى الندم ، كأنه قيل: فأصبح يندم ، وكذا أعمال الكافرين أجمع يكون عليهم (لعله) الخسران . ﴿عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا﴾ أي: في تأصيلها وعمارتها ، ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ يعني: أن كرومها المعروشة سقطت عروشها على الأرض ، وسقطت فوقها الكروم ، ﴿وَيَقُولُ : يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ تذكر موعظة أخيه ، فعلم أنه أوتي من جهة كفره وطغيانه.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٨١

[سورة الكهف — آية 41]

﴿ وَلَولاَ ﴾ أي : فهلا ﴿ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ الله لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِالله ﴾ ثم قال : ﴿ إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَداً فَعَسَى رَبِّيَ أَن يُؤْتِيَنِ ﴾ في الآخرة ﴿ خَيْراً مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَاناً مِّنَ السَّمَاءِ ﴾ أي : ناراً من السماء ، يقول : عذاباً من السماء ، وهي النار ﴿ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً ﴾ أي : لا نبات فيها . والصعيد الزلق التراب اليابس الذي لا نبات فيه . وقال بعضهم : قد حصد ما فيها فلم يترك فيها شيء . ﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْراً ﴾ أي : ذاهباً قد غار في الأرض ﴿ فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً ﴾ . وقال الكلبي : الغور : الذي لا تناله الدلاء .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٨١

[سورة الكهف — آية 41]

﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا ﴾ مصدر أخبر به عن الذات وهى الماء مبالغة ، كأنه نفس النور ، وهو ذهاب الماء إلى داخل الأرض ، أو يقدر بغائر أو بذا غور ، أو يصبح شأن مائها غوراً ، وإن لم نجعل ليصبح خيراً فيكون المنصوب حالا ، فكذلك لأن الحال خبر معنى عن صاحبه .

﴿ فَلَنْ نَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴾ أى يذهب على وجه لا قدرة لك معه فى رده ، وقيل : الهاء لمطلق الماء الذى لا بد للجنة منه ، وإلا ضاعت فيكون ذلك استخداما ، ومعنى نفى استطاعة طلب الماء فى استطاعة الوصول إليه ، فإن ما لا يستطاع لا يطلب ، وغير الممكن لا يطلب ، وهنا تم كلام الصاحب المؤمن ، وأخبرنا ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ ﴾ بعد الليل أو صار ﴿ يُقَلِّبُ كَفّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا ﴾ إلا أنه تعالى لم يخبرنا أنه أهلها بالحسبان ، أو بإغارة الماء ، ويتبادر أنه أهلكها بالصاعقة لقوله :

﴿ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ﴾ أى ساقطة على عروشها الساقطة على الأرض ، بأن تسقط عروشها ، أو لا فتسقط ثانيا عليها ، أو على بمعنى مع والعروش ما يجعل للشجر يعمد عليه ، وخص الأعناب بالذكر ، لأنها أعظم عنده من التمر والزرع ، ولأنه بحسب الظاهر إذا سقطت ، ولها معتمد ، فأولى أن يسقط ما لا عريش له ، أو لأن الإنفاق عليها أعظم من الإنفاق على الزرع والنخل .

وتقليب الكفّين كناية عن الندم ، لأن النادم يفعل ذلك تحسراً ، يكرر جعل ما بطن من يده إلى جهة الأرض ، ثم إلى جهة السماء ، أو يضع باطن إحداهما على ظهر الأخرى ، ويعكس ، والتكرير مأخوذ من التشديد ، وهو يفيد المبالغة أيضًا ، ولو فى مرة ، ومأخوذ من حال النادم كما تقول : الإنسان يأكل ويشرب ، على تضمين التقليب معنى الندم ، أو للتعليل أى لأجل ما أنفق عليها بالشراء وبالإصلاح بعد الشراء ، وما تقوم به . ومعنى الإحاطة بثمره إهلاك ثماره التى فى الجنة ، أو إهلاك أمواله وفى أحيط بثمره استعارة تمثيلية بأن شبه هيئة توجه الإهلاك إلى أمواله ، واستئصالها به من حيث لا يدرى بهيئة توجه العدد على غفلة ، إلى قوم من كل جهة ، والإيقاع بهم ، واستئصالهم ، وذلك هو ما حذره به صاحبه المؤمن ، ولم يلق له بالا ، أو ذلك على الاستعارة التبعية ، أو الكناية .

وما اسم موصول أو نكرة موصوفة ، أى على ما أنفقه فى شأنها ، أو مصدرية ، أى على إنفاقه ، فى عمارتها ، ويوجه ندمه على ما أنفق أو على الإنفاق أن الندم على الفعل الاختيارى لا على ذات الشئ ، وأنه أنفق طمعًا فى بقائها ، ولو علم أنها لا تبقى لادخر ما صرف فيها ، وقوله : أصبح يناسب أو الإهلاك بمرة بآفة سماوية أو أرضية لا بتدريج كتيبس شيئًا فشيئًا .

﴿ وَيَقُولُ ﴾ عطف على يقلِّب ، ولا حاجة إلى جعله حالا من ضمير يقلب لاحتياجه إلى الحمل على القلة من مجئ المضارع حالا مقرونًا بالواو مثبتا ، أو بناء على القول بقياسه ، أو تقدير مبتدأ يكون معه حالا ، أى وهو يقول :

﴿ يَا لَيْتَنِى ﴾ تنبه ، أو يا صاحبى ليتنى ﴿ لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّى أَحَدًا ﴾ علم أنه أتى من شركه ما يحتمل التوبة النصوح ، إذ لا يمنع قبول التوبة عند مشاهدة شدة دنيوية ، ويحتمل توبة غير خالصة ، أو مجرد ندم لما شاهد من الشدة المترتبة على شركه ، ولا شك أن قوله : ﴿ لو لم أشرك بربِّى أحداً ﴾ تهلك جنتى ، يا ليتنى لم اشرك فتبقى ليس إسلامًا ، فقد يقول : أما إذ هلكت ففاتت فلا حاجة إلى التوحيد مع ذهابها ، فيصير مغاضبة لله عز وجل ، فذلك كقوله عز وجل : ﴿ فإذا ركبوا فى الفلك دَعوُا الله مخلصين له الدِّين ﴾ وقصة سورة نون أقرب إلى التوبة ، إِذ قالوا : ﴿ سبحان ربنا ﴾ وقالوا : ﴿ إن إلى ربِّنا راغبون ﴾ وليس قوله ذلك ندماً عن المعصية ، بل لأجل ما أصابه بها ما ندم عن قوله ذلك من حيث إنه معصية .

وأما قوم يونس فالعقوبة الآتية لهم لا ترد عن مثلهم ، لأنها إهلاك أبدانهم فهى أخروية كمشاهدة الموت ، وخصوا بقبول التوبة ، وقيل : قوله : ﴿ يا ليتنى لم أشرك بربى أحداً ﴾ حكاية لما يقول الكافر يوم القيامة .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٨١