سورة الكهف · الآية ٤٢ من ١١٠

‹ السورة السابقة
وَأُحِیطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصۡبَحَ یُقَلِّبُ كَفَّیۡهِ عَلَىٰ مَاۤ أَنفَقَ فِیهَا وَهِیَ خَاوِیَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَیَقُولُ یَٰلَیۡتَنِی لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّیۤ أَحَدࣰا٤٢
الرسم الإملائيّ

وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا

الجزء ١٥الربع ١١٩ صفحة ٢٩٨

تفسيرها

[سورة الكهف — آية 42]

﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ غائرا ن أي: ذاهبا في الأرض ، وفي المعنى: كل (لعله) من كفر بالله فماله بهذه الصفة ، لأنه لا ينتفع به في دينه ، بل أشد خسرانا منه ، لأنه متعذب به في الدارين ، وإن كان موجودا في يده متصرفا فيه ، ﴿فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ فلا يتأتى لك طلبه ، فضلا عن الوجود ، والمعنى: إن ترني أفقر منك ، فأنا أتوقع من صنع الله أن يقلب ما بي وما بك من الفقر والغنى ، فيرزقني في الدنيا لإيماني جنة أتقوى بها على مرضاته ، خيرا من جنتك ، لأنها لك استدراج وغرور ، ويسلبك إياها لكفرك ، فلا يبقى لك منها إلا الخسران ، وذلك تفرس منه في عواقب الأمور ، وقد كان بهما ما توقع ، فقال:

﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ هو عبارة عن إهلاكه ، وأصله : من " أحاط به العدو" ، لأنه إذا أحاط به ، فقد ملكه واستولى عليه ، ثم استعمل في كل إهلاك ، ﴿فَأَصْبَحَ﴾ أي: الكافر ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ يضرب أحدهما على الأخرى ندما وتحسرا ، وإنما صار تقليب الكفين كناية عن الندم والتحسر ، لأن النادم يقلب كفيه ظهرا لبطن ، كما كنى عن ذلك بعض الكف ، والسقوط في اليد ، لأنه في معنى الندم ، كأنه قيل: فأصبح يندم ، وكذا أعمال الكافرين أجمع يكون عليهم (لعله) الخسران . ﴿عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا﴾ أي: في تأصيلها وعمارتها ، ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ يعني: أن كرومها المعروشة سقطت عروشها على الأرض ، وسقطت فوقها الكروم ، ﴿وَيَقُولُ : يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ تذكر موعظة أخيه ، فعلم أنه أوتي من جهة كفره وطغيانه.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٨٢

[سورة الكهف — آية 42]

قال الله : ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ﴾ أي : من الليل ﴿ فَأَصْبَحَ ﴾ من الغد قائماً عليها ﴿ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ﴾ أي : يصفق كفيه . قال الحسن : يضرب إحداهما على الأخرى ندامة . ﴿ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا ﴾ وقال بعضهم : تلهفاً على ما فاته منها . ﴿ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ﴾ قال الحسن : عروشها : التراب ، قد ذهب ما فيها من النبات . [ وبعضهم يقول : مقلولة على رؤوسها ] . ﴿ وَيَقُولُ ﴾ أي : في الآخرة ﴿ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي ﴾ أي : في الدنيا ﴿ أَحَدَاً ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٨٢

[سورة الكهف — آية 42]

﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا ﴾ مصدر أخبر به عن الذات وهى الماء مبالغة ، كأنه نفس النور ، وهو ذهاب الماء إلى داخل الأرض ، أو يقدر بغائر أو بذا غور ، أو يصبح شأن مائها غوراً ، وإن لم نجعل ليصبح خيراً فيكون المنصوب حالا ، فكذلك لأن الحال خبر معنى عن صاحبه .

﴿ فَلَنْ نَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴾ أى يذهب على وجه لا قدرة لك معه فى رده ، وقيل : الهاء لمطلق الماء الذى لا بد للجنة منه ، وإلا ضاعت فيكون ذلك استخداما ، ومعنى نفى استطاعة طلب الماء فى استطاعة الوصول إليه ، فإن ما لا يستطاع لا يطلب ، وغير الممكن لا يطلب ، وهنا تم كلام الصاحب المؤمن ، وأخبرنا ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ ﴾ بعد الليل أو صار ﴿ يُقَلِّبُ كَفّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا ﴾ إلا أنه تعالى لم يخبرنا أنه أهلها بالحسبان ، أو بإغارة الماء ، ويتبادر أنه أهلكها بالصاعقة لقوله :

﴿ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ﴾ أى ساقطة على عروشها الساقطة على الأرض ، بأن تسقط عروشها ، أو لا فتسقط ثانيا عليها ، أو على بمعنى مع والعروش ما يجعل للشجر يعمد عليه ، وخص الأعناب بالذكر ، لأنها أعظم عنده من التمر والزرع ، ولأنه بحسب الظاهر إذا سقطت ، ولها معتمد ، فأولى أن يسقط ما لا عريش له ، أو لأن الإنفاق عليها أعظم من الإنفاق على الزرع والنخل .

وتقليب الكفّين كناية عن الندم ، لأن النادم يفعل ذلك تحسراً ، يكرر جعل ما بطن من يده إلى جهة الأرض ، ثم إلى جهة السماء ، أو يضع باطن إحداهما على ظهر الأخرى ، ويعكس ، والتكرير مأخوذ من التشديد ، وهو يفيد المبالغة أيضًا ، ولو فى مرة ، ومأخوذ من حال النادم كما تقول : الإنسان يأكل ويشرب ، على تضمين التقليب معنى الندم ، أو للتعليل أى لأجل ما أنفق عليها بالشراء وبالإصلاح بعد الشراء ، وما تقوم به . ومعنى الإحاطة بثمره إهلاك ثماره التى فى الجنة ، أو إهلاك أمواله وفى أحيط بثمره استعارة تمثيلية بأن شبه هيئة توجه الإهلاك إلى أمواله ، واستئصالها به من حيث لا يدرى بهيئة توجه العدد على غفلة ، إلى قوم من كل جهة ، والإيقاع بهم ، واستئصالهم ، وذلك هو ما حذره به صاحبه المؤمن ، ولم يلق له بالا ، أو ذلك على الاستعارة التبعية ، أو الكناية .

وما اسم موصول أو نكرة موصوفة ، أى على ما أنفقه فى شأنها ، أو مصدرية ، أى على إنفاقه ، فى عمارتها ، ويوجه ندمه على ما أنفق أو على الإنفاق أن الندم على الفعل الاختيارى لا على ذات الشئ ، وأنه أنفق طمعًا فى بقائها ، ولو علم أنها لا تبقى لادخر ما صرف فيها ، وقوله : أصبح يناسب أو الإهلاك بمرة بآفة سماوية أو أرضية لا بتدريج كتيبس شيئًا فشيئًا .

﴿ وَيَقُولُ ﴾ عطف على يقلِّب ، ولا حاجة إلى جعله حالا من ضمير يقلب لاحتياجه إلى الحمل على القلة من مجئ المضارع حالا مقرونًا بالواو مثبتا ، أو بناء على القول بقياسه ، أو تقدير مبتدأ يكون معه حالا ، أى وهو يقول :

﴿ يَا لَيْتَنِى ﴾ تنبه ، أو يا صاحبى ليتنى ﴿ لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّى أَحَدًا ﴾ علم أنه أتى من شركه ما يحتمل التوبة النصوح ، إذ لا يمنع قبول التوبة عند مشاهدة شدة دنيوية ، ويحتمل توبة غير خالصة ، أو مجرد ندم لما شاهد من الشدة المترتبة على شركه ، ولا شك أن قوله : ﴿ لو لم أشرك بربِّى أحداً ﴾ تهلك جنتى ، يا ليتنى لم اشرك فتبقى ليس إسلامًا ، فقد يقول : أما إذ هلكت ففاتت فلا حاجة إلى التوحيد مع ذهابها ، فيصير مغاضبة لله عز وجل ، فذلك كقوله عز وجل : ﴿ فإذا ركبوا فى الفلك دَعوُا الله مخلصين له الدِّين ﴾ وقصة سورة نون أقرب إلى التوبة ، إِذ قالوا : ﴿ سبحان ربنا ﴾ وقالوا : ﴿ إن إلى ربِّنا راغبون ﴾ وليس قوله ذلك ندماً عن المعصية ، بل لأجل ما أصابه بها ما ندم عن قوله ذلك من حيث إنه معصية .

وأما قوم يونس فالعقوبة الآتية لهم لا ترد عن مثلهم ، لأنها إهلاك أبدانهم فهى أخروية كمشاهدة الموت ، وخصوا بقبول التوبة ، وقيل : قوله : ﴿ يا ليتنى لم أشرك بربى أحداً ﴾ حكاية لما يقول الكافر يوم القيامة .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٨٢