تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الكهف

الجزء الكهف · صفحة ٠
[سورة الكهف — آية 42]

﴿ أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا ﴾ مصدر أخبر به عن الذات وهى الماء مبالغة ، كأنه نفس النور ، وهو ذهاب الماء إلى داخل الأرض ، أو يقدر بغائر أو بذا غور ، أو يصبح شأن مائها غوراً ، وإن لم نجعل ليصبح خيراً فيكون المنصوب حالا ، فكذلك لأن الحال خبر معنى عن صاحبه .

﴿ فَلَنْ نَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا ﴾ أى يذهب على وجه لا قدرة لك معه فى رده ، وقيل : الهاء لمطلق الماء الذى لا بد للجنة منه ، وإلا ضاعت فيكون ذلك استخداما ، ومعنى نفى استطاعة طلب الماء فى استطاعة الوصول إليه ، فإن ما لا يستطاع لا يطلب ، وغير الممكن لا يطلب ، وهنا تم كلام الصاحب المؤمن ، وأخبرنا ﴿ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ ﴾ بعد الليل أو صار ﴿ يُقَلِّبُ كَفّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا ﴾ إلا أنه تعالى لم يخبرنا أنه أهلها بالحسبان ، أو بإغارة الماء ، ويتبادر أنه أهلكها بالصاعقة لقوله :

﴿ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا ﴾ أى ساقطة على عروشها الساقطة على الأرض ، بأن تسقط عروشها ، أو لا فتسقط ثانيا عليها ، أو على بمعنى مع والعروش ما يجعل للشجر يعمد عليه ، وخص الأعناب بالذكر ، لأنها أعظم عنده من التمر والزرع ، ولأنه بحسب الظاهر إذا سقطت ، ولها معتمد ، فأولى أن يسقط ما لا عريش له ، أو لأن الإنفاق عليها أعظم من الإنفاق على الزرع والنخل .

وتقليب الكفّين كناية عن الندم ، لأن النادم يفعل ذلك تحسراً ، يكرر جعل ما بطن من يده إلى جهة الأرض ، ثم إلى جهة السماء ، أو يضع باطن إحداهما على ظهر الأخرى ، ويعكس ، والتكرير مأخوذ من التشديد ، وهو يفيد المبالغة أيضًا ، ولو فى مرة ، ومأخوذ من حال النادم كما تقول : الإنسان يأكل ويشرب ، على تضمين التقليب معنى الندم ، أو للتعليل أى لأجل ما أنفق عليها بالشراء وبالإصلاح بعد الشراء ، وما تقوم به . ومعنى الإحاطة بثمره إهلاك ثماره التى فى الجنة ، أو إهلاك أمواله وفى أحيط بثمره استعارة تمثيلية بأن شبه هيئة توجه الإهلاك إلى أمواله ، واستئصالها به من حيث لا يدرى بهيئة توجه العدد على غفلة ، إلى قوم من كل جهة ، والإيقاع بهم ، واستئصالهم ، وذلك هو ما حذره به صاحبه المؤمن ، ولم يلق له بالا ، أو ذلك على الاستعارة التبعية ، أو الكناية .

وما اسم موصول أو نكرة موصوفة ، أى على ما أنفقه فى شأنها ، أو مصدرية ، أى على إنفاقه ، فى عمارتها ، ويوجه ندمه على ما أنفق أو على الإنفاق أن الندم على الفعل الاختيارى لا على ذات الشئ ، وأنه أنفق طمعًا فى بقائها ، ولو علم أنها لا تبقى لادخر ما صرف فيها ، وقوله : أصبح يناسب أو الإهلاك بمرة بآفة سماوية أو أرضية لا بتدريج كتيبس شيئًا فشيئًا .

﴿ وَيَقُولُ ﴾ عطف على يقلِّب ، ولا حاجة إلى جعله حالا من ضمير يقلب لاحتياجه إلى الحمل على القلة من مجئ المضارع حالا مقرونًا بالواو مثبتا ، أو بناء على القول بقياسه ، أو تقدير مبتدأ يكون معه حالا ، أى وهو يقول :

﴿ يَا لَيْتَنِى ﴾ تنبه ، أو يا صاحبى ليتنى ﴿ لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّى أَحَدًا ﴾ علم أنه أتى من شركه ما يحتمل التوبة النصوح ، إذ لا يمنع قبول التوبة عند مشاهدة شدة دنيوية ، ويحتمل توبة غير خالصة ، أو مجرد ندم لما شاهد من الشدة المترتبة على شركه ، ولا شك أن قوله : ﴿ لو لم أشرك بربِّى أحداً ﴾ تهلك جنتى ، يا ليتنى لم اشرك فتبقى ليس إسلامًا ، فقد يقول : أما إذ هلكت ففاتت فلا حاجة إلى التوحيد مع ذهابها ، فيصير مغاضبة لله عز وجل ، فذلك كقوله عز وجل : ﴿ فإذا ركبوا فى الفلك دَعوُا الله مخلصين له الدِّين ﴾ وقصة سورة نون أقرب إلى التوبة ، إِذ قالوا : ﴿ سبحان ربنا ﴾ وقالوا : ﴿ إن إلى ربِّنا راغبون ﴾ وليس قوله ذلك ندماً عن المعصية ، بل لأجل ما أصابه بها ما ندم عن قوله ذلك من حيث إنه معصية .

وأما قوم يونس فالعقوبة الآتية لهم لا ترد عن مثلهم ، لأنها إهلاك أبدانهم فهى أخروية كمشاهدة الموت ، وخصوا بقبول التوبة ، وقيل : قوله : ﴿ يا ليتنى لم أشرك بربى أحداً ﴾ حكاية لما يقول الكافر يوم القيامة .

٢٬١٨٢ / ٦٬٢٣٦