سورة الكهف · الآية ٤٨ من ١١٠

‹ السورة السابقة
وَعُرِضُوا۟ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفࣰّا لَّقَدۡ جِئۡتُمُونَا كَمَا خَلَقۡنَٰكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةِۭۚ بَلۡ زَعَمۡتُمۡ أَلَّن نَّجۡعَلَ لَكُم مَّوۡعِدࣰا٤٨
الرسم الإملائيّ

وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا

الجزء ١٥الربع ١١٩ صفحة ٢٩٩

تفسيرها

[سورة الكهف — آية 48]

﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾ مصطفين ظاهرين يرى جماعتهم كما يرى كل واحد ، لا يحجب أحد أحدا. شبهت حالهم بحال الجند المعرضين على السلطان.﴿ لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: لقد بعثناكم كما أنشأكم أول مرة ، أو جئتمونا عراة لا شيء معكم كما خلقناكم أولا ، (لعله) أو جئتمونا بلا عمل ينفع ، هو بين أبين مما تقدم ، لقوله:﴿ بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ بلسان المقال ، أو بلسان الحال ﴿أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِدًا﴾ وقتا لا يجاوز ما وعدتم على ألسنة الأنبياء من البعث.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٨٨

[سورة الكهف — آية 48]

﴿ وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً ﴾ أي : صفوفاً .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ذات يوم : « أيسركم أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : أيسركم أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : الناس يوم القيامة عشرون ومائة صف ، وأنتم منهم ثمانون صفاً »

ذكروا عن عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى : ﴿ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً ﴾ [ الانشقاق : 8 ] قال : ذلكم العرض ولكن من نوقش الحساب عُذّب .

قوله : ﴿ لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ أي : حفاة عراة غرلاً ﴿ بَلْ زَعَمْتُمْ ﴾ يقول للمشركين ﴿ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُم مَّوْعِداً ﴾ يعني أن لن تبعثوا .

وبلغنا عن الحسن أن عائشة قالت : يا رسول الله ، أما يحتشم الناس يومئذٍ بعضهم من بعض؟ قال : « هم أشغل من أن ينظر إلى بعض » أي : إلى عورة بعض .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٨٨

[سورة الكهف — آية 48]

﴿ وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا ﴾ ليحاسبهم ويأمر فيهم ، وهو عالم بهم ، ولا يتخلف أحد عنه ، ولا عن البعث ، بل حتى السقط ، كما سعرض للجُند على الملك ليعرفهم ، أو يأمر فيهم . وذلك على ظاهره ، وقيل : استعارة تمثيلية ، والمضى عنا وفى لم نغادر كالمضى فى حشرناهم ، وصفًّا حال وهو مصدر مبالغة ، كأنهم نفس الاصطفاف ، أو مصدر يستعمل من يصطف ، أو ذوى صف أى اصطفاف ، أو صافين أو مصفوفين ، وهو حال من واو عرضوا ، والمراد صفوف لا صف واحد كما قال صلى الله عليه وسلم : « يجمع الله الأولين والآخرين فى صعيد واحد صفوفًا » وقال صلى الله عليه وسلم : « أهل الجنة مائة وعشرون صفًّا أنتم منها ثمانون صفًا » .

« عن معاذ بن جبل أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : » إن الله تعالى ينادى يوم القيامة : يا عبادىأنا الله لا إله إِلا أنا ، أرحم الراحمين ، وأحكم الحاكمين ، وأسرع الحاسبين ، أحضروا حجتكم ، ويسروا جوابا ، فإنكم مسئولون محاسبون ، يا ملائكتى أقيموا عبادى صفوفا على أَطراف أنامل أقدامهم للحساب « وقيل : تقام كل أُمة صفًّا ، وقيل : الخلائق صف واحد ، وهو المبلغ فى القدرة ، وعليه فتارة يكونون صفًّا كظاهر الآية وتارة صفوفًا ، وقيل : معنى الصف هنا القيام ، كقوله تعالى : ﴿ فاذكروا اسم الله عليها صواف ﴾ ﴿ لَقَدْ جِئْتُمُونَا ﴾ جئتم إلى محل لا حكم فيه لغيرنا ، والخطاب للكفار ، ﴿ كَمَا خَلَقْنَاكُم أَوَّلَ مَرَّةٍ ﴾ مقول لقول مقدر مستأنف ، أى نقول لقد جئتمونا أو مقول لقول مقدر قبل ﴿ يوم نُسيِّر ﴾ كما مر ، أو حال من واو عرضوا ، وقد قيل لهم : لقد جئتمونا ، والمعنى كما خلقناكم أول مرة بلا لباس ، ولا مال ولا ولد ، ولا ناصر ، وبلا ختان ، ولا نعال ، كما قال عز وجل : ﴿ ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خوَّلناكم وراء ظهوركم ﴾ إلخ وإحياء بعد عدم حياة ، وبلا نقص واجد منكم عن البعث » .

والتحقيق أن الكاف توصل الحدث إلى مدخولها ، فهى متعلقة لا كما قيل إنها لا تتعلق كالحرف الزائد ، فهى متعلقة بجئتمونا ، أو بمحذوف نعت لمفعول مطلق ، أى مجيئا ثابتا كخلقناكم .

﴿ بَلْ ﴾ للاضراب الانتقالى من قصة إلى أُخرى ، هى أهم مها ، وهى تفريع الكفار بتصديق الرسول صلى الله عليه وسلم ﴿ زَعَمْتُمْ أَنْ لَنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا ﴾ وقت وعد للبعث فيه ، لا تخلفه ، أو وعد البعث لا يخلفه ، بل جعلناه لكم كما أخبركم الرسول صلى الله عليه وسلم وهو صادق سيظهر لكم صدقه ، وأن محققة ، واسمها ضمير الشأن أو بقدر أننا لن نجعل ، أو أنكم وكذا غيركم ، لن نجعل لهم .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬١٨٨