سورة مريم · الآية ٢٥ من ٩٨

‹ السورة السابقة
وَهُزِّیۤ إِلَیۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَیۡكِ رُطَبࣰا جَنِیࣰّا٢٥
الرسم الإملائيّ

وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا

الجزء ١٦الربع ١٢٣ صفحة ٣٠٦

تفسيرها

[سورة مريم — آية 25]

﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾ قيل: إنها كانت نخلة يابسة لا رأس لها ، ولا تمر ، وكان وقت شتاء ، فهزتها ، فجعل الله لها رأسا وخوصا ، ورطبا يسليها بذلك ، لما فيه من المعجزات الدالة على براءة ساحتها – فإن مثلها لا يتصور لمن يرتكب الفواحش – والمنبهة لمن رآها على أن من قدر أن يثمر النخلة اليابسة في الشتاء ، قدر أن يحبلها من غير فحل ، وأنه ليس ببدع من شأنها ، مع ما فيه من الشراب والطعام ، ولذلك رتب عليه الأمرين ، فقال:

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٢٧٥

[سورة مريم — آية 25]

قوله تعالى : ﴿ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾ وهي تقرأ : تَساقط ويُساقط . فمن قرأها يساقط يقول : يساقط عليك الجذع . وكان جذع النخلة يابساً وكان آية . ومن قرأها تساقط بالتاء فهو يقول : تساقط عليك النخلة رطباً جنياً . [ أي حين اجتني ] .

قوله : ﴿ فَكُلِي ﴾ أي من الرطب ﴿ وَاشْرَبِي ﴾ أي من الجدول ﴿ وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً ﴾ قال بعضهم : كانت تقرأ في الحرف الأول : صمتاً . وذكروا عن أنس بن مالك أنه كان يقرأها صوماً صمتاً .

﴿ فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إِنْسِيّاً ﴾ قال بعضهم : بلغني أنه أذن لها في هذا الكلام . وقال بعضهم : إنما كانت آية جعلها الله لها يومئذ . وإن شئت رأيت امرأة سفيهة تقول : أصوم صوم مريم ولا تتكلم في صومها .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٢٧٥

[سورة مريم — آية 25]

﴿ وهزِّى إِليكِ ﴾ زعموا أنه لا يعمل الفعل فى ضميرين متصلين لمسمى واحد ، ولو جرى الثانى بالحرف إلا فى باب ظن وعلم ، وفقد وعدم ورأى الحلمية قلت : لا مانع من ذلك إذا كان بحرف الجر ، كما هنا ، وكما فى قوله تعالى : ﴿ واضم إليك ﴾ وقوله : ﴿ أمسك عليك زوجك ﴾ وقوله : ﴿ يدنين عليهن ﴾ وقوله : ﴿ فصرهن إليك ﴾ وهو كثير فى القرآن ، وما كثير لا يحسن منع القياس عليه ، ولا تأويله ولم يجىء فى القرآن بلا حرف ، وهو الممنوع نحو : ضربتَكَ بفتح التاء ، وضربتُنى بضمها ، وزيد ضربه برد المستتر ، والهاء إلى زيد فهو متعلق بهزى ، ولا حاجة إلى تقدير أعنى إليك .

وأيضاً إلى فى هذه العناية أن علقت بهز محذوف فقد رجعت إلى المحذوف ولو قدر مضافاً أى إلى جهتك كان أولى ، مع أنه لا حاجة إليه ، ولا حاجة إلى جعل اسماً بمعنى عند ، ولا إلى جعلها اسم فعل ، وعدى بالى لتضمنه معنى الإمالة ، بل لا يحتاج إلى تأويل ، ألا ترى صحة قولك : هزى إلى كذا ، وكأنه قيل حركه إلى كذا ، والهز التحريك أى إلى جهة بعنف أو بلا عنف ، والهز إلى جهتها أو يمينا وشمالا فيسقط التمر قدامها .

﴿ بِجِذْعِ النَّخْلة ﴾ الباء متصلة للتأكيد ، والجذع مفعول به ، وإن جعلنا الباء للآلة فالمفعول محذوف تقديره ، هزى بجذع النخلة فروعها أو قنوانها ، ولا يحسن هزى ثمارها ، وقد كان يكفى عن هزها هز محلها ، فلا يحسن جعل رطباً مفعو به لهزى ، ومن خوارق العادة قدرتها على هز جذع النخلة ، أو خلقه الله رقيقا ليناً ، وكون ذلك فى غير أو أن الرطب ، خارق آخر ، ويروى أن عيسى أو جبريل ضرب الأرض بعقبه ، فجرت العين اليابسة ، واخضرت النخلة ، وأثمرت وأنعت ﴿ تُسَاقِط عليك ﴾ تتساقط ، أدغمت التاء الثانية فى السين والفاعل ضمير النخلة ﴿ رطباً ﴾ تمييز محول عن الفاعل الأصل تتساقط عليك رطبها ، وهى نضج البسر ، والواحدة رطبة ، ومعنى على العلو على قدامها ، ويحتمل السقوط على رأسها أو حجرها ، أو على مطلق جسدها ، فذلك بيان لكثرة الثمار الساقطة ، وأكد الكثرة بإسناد السقوط إلى نفس النخلة ، وأكدها أيضاً بصيغة التفاعل .

﴿ جَنياً ﴾ تم نضجه كلها ، خرج عن البسر ولم يصل التمر ، وكان بحيث يستحق أن يجنى ، أى يقطف من متعلقه ، وما يجنى خير مما يسقط فى الجملة ، لأنه يلتصق بالتراب ، وقد تأكل منه نملة ، وقد يكون قديما ، وما قرب عهداً أحسن مما بعد عهده ، ولكن جمع الله تبارك وتعالى كونه ساقطاً فى نظافة ما يدنى ، وما مفرده بالتاء هكذا يذكر ويؤنث ، ولذا قال : جنياً ، ولم يقل جنية .

وعن ابن عباس : لما هزت الجذع أسعف فاطلع ، فاخضر فأبلح ، فاجمر أو اصفر فأزهى فأرطب فى ساعة واحدة ، وهى تنظر ، وكان برنياً أو عجوة ، وهو المشهور ، قيل : حملت أيضاً الموز ، ولم يذكر لأن غاية النفع للنفساء فى الرطب ، وعن محمد الباقر لم تستشف النفساء بمثل الرطب أن الله أطعمه مريم فى نفاسها ، وقالوا ما للنفساء خير من الرطب ، ولا للمريض خير من العسل ، قيل : ولا سيما إذا عسر نفاسها ، وذكروا أن التمر للنفساء من ذلك الوقت ، وكذا تحنيك الصبى به إذا ولد ، وفى أمرها بالهز إشارة إلى الأمر بالكسب ، وأنه لا ينافى التوكل قيل :

ألم تر أن الله أوحى لمريم … وهزى إليك الجذع يسّاقط الرّطب

ولو شاء أحنى الجذع من غير هزه … إليها ولكن كل شىء له سبب

والله تعالى وعز وجل أجرى الأمور على الأسباب ، ليكون للخلق فيها مدخل بالمسبب ورجاء وطمع ، وهروب عن المكروه ، وذلك إجراء فيما يكون ، وما لا يكون كما فى الامتداد بالملائكة ، بشرط أن يكون كذا ، وقد علم الله أنه لا يكون كذا ، فلا امداد ، وكما فى قوله تعالى : ﴿ ولو تواعدتم لاختلفتم فى الميعاد ﴾ وقد علم الله تعالى لا تواعد بينهم ولا تخالف .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٢٧٥