سورة الأنبياء · الآية ٤٧ من ١١٢

‹ السورة السابقة
وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِینَ ٱلۡقِسۡطَ لِیَوۡمِ ٱلۡقِیَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسࣱ شَیۡءࣰاۖ وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةࣲ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَیۡنَا بِهَاۗ وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِینَ٤٧
الرسم الإملائيّ

وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ

الجزء ١٧الربع ١٣٠ صفحة ٣٢٦

تفسيرها

[سورة الأنبياء — آية 47]

﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ قيل: وضع الموازين تمثيل لإرصاد الحساب السوي ، والجزاء على حسب الأعمال بالعدل ، ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ لجزاء يوم القيامة ، أو لأهله ، أو فيه. ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ فلا تنقص من حسناتها ، ولا تزداد على سيئاتها ، ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ﴾ أي: وإن كان العمل مقدار ثقل حبة ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ أحضرناها ، ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ إذ لا مزيد على علمنا وعدلنا.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٣٠

[سورة الأنبياء — آية 47]

قوله تعالى : ﴿ وَنَضَعُ المَوازِينَ القِسْطَ ﴾ أي العدل ﴿ لِيَوْمِ القِيَامَةِ ﴾ .

ذكر الحسن أن عائشة رضي الله عنها قالت : يا رسول الله ، هل يذكر الرجل حميمه يوم القيامة؟ فقال : ثلاثة مواطن لا يذكر الرجل فيها حميمه : عند الميزان حتى ينظر أيثقل ميزانه أم يخف ، وعند الصراط حتى ينظر أيجوز أم لا يجوز ، وعند الصحف حتى ينظر أبيمينه يأخذ صحيفته أم بشماله .

قوله عز وجل : ﴿ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً ﴾ أي : لا ينقص المؤمن من حسناته ولا يزاد عليه من سيئات غيره ، ولا يزاد على الكافر سيئات غيره ولا يجازى في الآخرة بحسنة قد استوفاها في الدنيا .

قال : ﴿ وَإِنْ كَانَ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ أي : عالمين . وقال الحسن : لا يعلم مثقال الذرِّ والخردل إلاَّ الله ، ولا يحاسب العبدَ إلا هو .

« ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانوا يأكلون طعاماً فنزلت هذه الآية : ﴿ فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ [ الزلزلة : 7-8 ] . فأمسك أبو بكر وقال : يا رسول الله ، ما من خير عملته إلا رأيته ، ولا شراً عملت إلا رأيته؟ فقال : يا أبا بكر ، أما ما رأيت مما تكره في الدنيا فمثاقيل الشر ، وأما مثاقيل الخير فتلقاك يوم القيامة ، ولن يهتك الله ستر عبد فيه مثقال ذرة من خير » .

وقال بعضهم : وبلغني في الكافر أنه ما عمل من مثقال ذرة خيراً يره في الدنيا ، وما عمل من مثقال ذرة شرّاً يره في الآخرة .

ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يا أيها الناس لا تغترّوا بالله ، فإن الله لو كان مغفلاً شيئاً لأغفل الذرة والبعوضة والخردلة » .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٣٠

[سورة الأنبياء — آية 47]

﴿ ونَضعُ الموازين القِسطْ ﴾ تمثيل لانتفاء أن ينقص شىء من الأعمال أو من الجزاء ، ولا ميزان حقيق كما قال الضحاك وقتادة ، ومجاهد ولأعمش ، وهو الحق ، ولا داعى الى العدول عنه مع ظهوره الى جعلها حقيقة وهو غير ظاهر لاحتياجه الى دعوى تجسم الأعراض ، أو الى وزن البطاقة ، وليست من الأعمال ، والى دليل من حديث ، ولا يوجد إلا ما وضع أو اتهم بالوضع ، فما الميزان إلا كيد الله وقبضته ، ونحو ذلك من المأول والجمع باعتبار الحسنات والسيئات .

ومن قال : كموازين الدنيا ، فمن قائل : لكل أمة ميزان ، وقائل : لكل مؤمن موازين بعدد حسناته ، وشهر أنه واحد لكل المكلفين من الثقلينن كفتاه كإطباق السموات ، والجمع للتعظيم ، أو لتعدد الموزون كما يقال : شموس وأقمار ، لتعدد طلوعهما ، يأخذ جبريل بعموده ناظر الى لسانه ، وميكائيل أمين عليه ، وأن الحسنات أجسام نورانية ، والسيئات أجسام مظلمة ، وهل هو موجود ، الظاهر أنه سيوجد كالصراط على دعواهم .

وروى أن داودعليه السلام سأل الله عز وجل أن يريه الميزان ، فأراه فغشى عليه ، وقال بعد إفاقته : من يقدر على ملئه فقال تعالى : يا داود أرضى أن يملئه عبدى بتمرة ، ولا ندرى أصح الحديث أم لم يصح ، وعلى صحته فهو تمثيل لما سيكون ، والقسط نعت به مبالغة ، أو يقدر وذات القسط ، أو مفعول من أجله ، أى لأجل القسط ، أى العدل ، والجملة عطف قصة على أخرى ، أو حال على تقدير قد ، أو نحن من الضمير فى ليقولن ، والربط بواو الحال .

﴿ ليَوْم القيامة ﴾ فى يوم القيامة متعلق بنضع أو بالقسط ، وقيل : تعليل أى لحساب يوم القيامة ، أو لأهل يوم القيامة ، وقيل : اللام للاختصاص ، ولا وزن للمشرك ، ومن يدخل الجنة بلا حساب ﴿ فلا تُظلمُ نفسٌ شَيئاً ﴾ مفعول مطلق ، أى لا تظلم ظلماً ما ، بزيادة سئة أو نقص حسنة أو نقص ثواب ، أو زيادة عذاب ، عما قضى الله ، أو مفعول به ، أى لا تنفع ثوابا أو حسنة أو مفعول مطلق ، أى لا تنقص نقصا ما فحذف المفعول به ومثله فى السيئة .

﴿ وإنْ كان ﴾ العمل المدلول عليه ، بوضع الموازين ، أو الشىء المذكور أنه لا يزاد ولا ينقص ﴿ مِثْقال حبَّةٍ من خَرْدل ﴾ أى ما يوازنها فى ثقلها ﴿ أتيانها ﴾ أى بالمثقال : وأنت لإضافته لمؤنث ، وذلك المثقال هو العمل ، ومعنى الإتيان به الجزاء عليه بعد إحضاره أنه كذا ، ثم تذكرت أن قراءتنا رفع مثقال فاعلا لكان بلا خبر لها ، أى إن حصل مثقال حبة أحضرناه ، ويضعف أن يجعل أن وصلية ، وأتينا بها مستأنف .

﴿ وكَفَى بنَا حاسبِينَ ﴾ نافاعل ، وحاسبين حال بمعنى داعين ، أو بمعنى مجازين على لأعمال ، وفى الترمذى عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :

« إن الله سيخلص رجلا من أمتى على رءوس الخلائق يوم القيامة يُنْشَر له تسعة وتسعون سجلا ، كل سجل مد البصر ، ويقول له : أتنكر من هذا شيئا؟ أظلمك كتبتى الحافظين؟ فيقول لا يارب ، فيقول : ألك عذر؟ فيقول : لا يا رب ، فيقول الله : بلى إن لك عندنا حسنة فإنه لا ظلم عليك اليوم ، فيخرج له بطاقة فيها أشهد أن لا اله الا الله وأن محمداً رسول الله فيقال له : احضر وزنك فيقول : يا رب ما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال : إنك لا تظلم اليوم فتوضع السجلات فى كفة والبطاقة فى كفة فطاشت السجلات وثقلت البطاقة ولا يثقل مع اسم الله شىء » قلت : هذا مشرك ختم بكلمة الشهادة ، وما قبل أن تقع عليه الفرائض ، أو فاسق ختم عمله بها مخلصا ، وأما الوضع فى الكفة فعبارة عن تجويد الحساب .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٥٣٠