یُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِی بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ٢٠
الرسم الإملائيّ
يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ
الجزء ١٧الربع ١٣٤ صفحة ٣٣٤
تفسيرها
﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ يحتمل أنه يصف الناس الذين سجدوا مع الساجين من خلق الله ، والخصم الثاني: الذين أبوا عن السجود ، الذين حق عليهم العذاب . ﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ، فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فصل لخصومتهم ، وهو المعني بقوله:﴿ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ﴾ قدرت على مقادير جثتهم ﴿ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾ نيران تحيط بهم إحاطة الثياب . ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ ماء حار ، - لو سقطت منه قطرة على جبال الدنيا لأذابتها . ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ من الأمعاء ، ﴿وَالْجُلُودُ﴾ أي: يؤثر من فرط حرارته في باطنهم تأثيره في ظاهرهم ، فتذاب به احشاؤهم كما تذاب به جلودهم. ﴿وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴾ سياط يجلدون بها. وقيل: المقمعة: شبه الجزر من الحديد ، من قولهم : قمعت رأسه ، إذا ضربته ضربا عنيفا . ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ﴾ أي: كلما حاولوا الخروج من النار بما يلحقهم من الغم والكرب الذي أخذ بأنفاسهم ، ﴿أُعِيدُوا فِيهَا﴾ ردوا إليها بالمقامع ، وقيل لهم:﴿ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ النار البالغة في الإحراق.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦١٥
قوله : ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ﴾ . قال بعضهم : اختصم المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب : نبيُّنا قبل نبيّكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، ونحن خير منكم . وقال المسلمون : كتابنا يقضي على الكتب كلها ، ونبينا خاتم النبيين ، ونحن أولى بالله منكم ، فأفلج الله أهل الإِسلام فقال : ﴿ هذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارْ . . . ﴾ إلى آخر الآية ، وقال : ﴿ إِنَّ الله يُدْخِلُ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً . . . ﴾ إلى آخر الآية .
ذكروا عن الحسن في قوله : ﴿ هذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا ﴾ قال : أهل الكتاب خصم والمؤمنون خصم؛ اختصموا ، يعني جماعتهم ، كل مؤمن وكافر إلى يوم القيامة قد اختصموا في الله وإن لم يلتقوا في الدنيا قط لاختلاف الملتين . أما المؤمن فوحد الله وعمل بفرائضه فأخبر الله بثوابه ، وأما الكافر فألحد في الله وعبد غيره ، فأخبر الله بعقابه .
وقال بعضهم : نزلت في ثلاثة من المؤمنين وثلاثة من المشركين الذين تبارزوا يوم بدر . فأما الثلاثة من المؤمنين فعبيدة بن الحارث ، وحمزة بن عبد المطلب ، وعلي ابن أبي طالب رضي الله عنهم . وأما الثلاثة من المشركين فعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة . قوله : ﴿ فَالذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ ﴾ . وقال في آية أخرى : ﴿ سَرَابِيلُهُم ﴾ أي : قمصهم ﴿ مِّن قَطِرَانٍ ﴾ [ إبراهيم : 50 ] قال الحسن : القطران الذي يطلى به الإِبل . وقال مجاهد من صفر . قال الحسن : وهي من نار .
قوله : ﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الحَمِيمُ ﴾ وهو الحار الشديد الحر . ﴿ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالجُلُودُ ﴾ أي : ويحرق به الجلود . وقال الحسن : أي : يقطع به . وقال مجاهد : يذاب به . وقال الكلبي : ينضج به . وهو كله نحو واحد . قال تعالى : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم ﴾ [ النساء : 56 ] وقال : ﴿ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ ﴾ [ أل عمران : 181 ] .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦١٥
﴿ يُصهرُ به ما فى بُطونهم ﴾ يذاب وسال أمعاءهم وأحشاءهم ، أو أريد بالبطون الباطن ، فشمل الحلق والحلقوم ، تلا أبوه هريرة هذه الآية فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن الحميم ليصب على رءوسهم فينفذ الجمجمة » أى الرأس وما تحته - حتى يخلص الى جوف أحدهم فيلست ما فى جوفه حتى يمرق من قدميه ، وهو الصهر ، ثم يعاد كما كان ، ويستثنى القلب لأنه لا موت فى النار ولا فى الجنة ، وليس المراد أنه يسلت الجوف ، ويبقى الجسد ، بل يسلت الجوف فى سائر البدن ، فيبقى العظم والقلب ألا ترى الى قوله :
﴿ والجُلُود ﴾ فكما يصهر الجلد يصهر اللحم تحته وأخر الجلد للفاصلة ، وصرح بعض بأن الآية على ظاهرها ، وهو صهر الجلد دون اللحم تحتها ، والعطف على ما ، وقدر بعضهم وتحرق الجلود ، لأن الجلود لا تذاب ، بل تجتمع فى النار فذلك كقوله : علفتها تبنا وماء بارداً ، والماء لا يعلف ، فيقدر وسقيتها ، قلت لا حاجة الى ذلك ، بل خلق الله ذلك الحميم يصهر الجلود ، وأحكام تلك الدار ليست كهذه ، وفسر بعضهم الصهر بالنفخ كقوله تصهره الشمس ولا ينصهر ، فناسب الجلد بلا تأويل ، لكن يحتاج الى ذكر الإسالة كما ذكر فى الحديث ، فالصهر بمعنى الإسالة أولى .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦١٥