سورة الحج · الآية ٢٠ من ٧٨

‹ السورة السابقة
یُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِی بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ٢٠
الرسم الإملائيّ

يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ

الجزء ١٧الربع ١٣٤ صفحة ٣٣٤

تفسيرها

[سورة الحج — آية 20]

﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ يحتمل أنه يصف الناس الذين سجدوا مع الساجين من خلق الله ، والخصم الثاني: الذين أبوا عن السجود ، الذين حق عليهم العذاب . ﴿اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ، فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فصل لخصومتهم ، وهو المعني بقوله:﴿ إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ﴾ قدرت على مقادير جثتهم ﴿ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾ نيران تحيط بهم إحاطة الثياب . ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ ماء حار ، - لو سقطت منه قطرة على جبال الدنيا لأذابتها . ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ من الأمعاء ، ﴿وَالْجُلُودُ﴾ أي: يؤثر من فرط حرارته في باطنهم تأثيره في ظاهرهم ، فتذاب به احشاؤهم كما تذاب به جلودهم. ﴿وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ ﴾ سياط يجلدون بها. وقيل: المقمعة: شبه الجزر من الحديد ، من قولهم : قمعت رأسه ، إذا ضربته ضربا عنيفا . ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ﴾ أي: كلما حاولوا الخروج من النار بما يلحقهم من الغم والكرب الذي أخذ بأنفاسهم ، ﴿أُعِيدُوا فِيهَا﴾ ردوا إليها بالمقامع ، وقيل لهم:﴿ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ النار البالغة في الإحراق.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦١٥

[سورة الحج — آية 20]

قوله : ﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ﴾ . قال بعضهم : اختصم المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب : نبيُّنا قبل نبيّكم ، وكتابنا قبل كتابكم ، ونحن خير منكم . وقال المسلمون : كتابنا يقضي على الكتب كلها ، ونبينا خاتم النبيين ، ونحن أولى بالله منكم ، فأفلج الله أهل الإِسلام فقال : ﴿ هذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارْ . . . ﴾ إلى آخر الآية ، وقال : ﴿ إِنَّ الله يُدْخِلُ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً . . . ﴾ إلى آخر الآية .

ذكروا عن الحسن في قوله : ﴿ هذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا ﴾ قال : أهل الكتاب خصم والمؤمنون خصم؛ اختصموا ، يعني جماعتهم ، كل مؤمن وكافر إلى يوم القيامة قد اختصموا في الله وإن لم يلتقوا في الدنيا قط لاختلاف الملتين . أما المؤمن فوحد الله وعمل بفرائضه فأخبر الله بثوابه ، وأما الكافر فألحد في الله وعبد غيره ، فأخبر الله بعقابه .

وقال بعضهم : نزلت في ثلاثة من المؤمنين وثلاثة من المشركين الذين تبارزوا يوم بدر . فأما الثلاثة من المؤمنين فعبيدة بن الحارث ، وحمزة بن عبد المطلب ، وعلي ابن أبي طالب رضي الله عنهم . وأما الثلاثة من المشركين فعتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، والوليد بن عتبة . قوله : ﴿ فَالذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ ﴾ . وقال في آية أخرى : ﴿ سَرَابِيلُهُم ﴾ أي : قمصهم ﴿ مِّن قَطِرَانٍ ﴾ [ إبراهيم : 50 ] قال الحسن : القطران الذي يطلى به الإِبل . وقال مجاهد من صفر . قال الحسن : وهي من نار .

قوله : ﴿ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الحَمِيمُ ﴾ وهو الحار الشديد الحر . ﴿ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالجُلُودُ ﴾ أي : ويحرق به الجلود . وقال الحسن : أي : يقطع به . وقال مجاهد : يذاب به . وقال الكلبي : ينضج به . وهو كله نحو واحد . قال تعالى : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم ﴾ [ النساء : 56 ] وقال : ﴿ ذُوقُوا عَذَابَ الحَرِيقِ ﴾ [ أل عمران : 181 ] .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦١٥

[سورة الحج — آية 20]

﴿ يُصهرُ به ما فى بُطونهم ﴾ يذاب وسال أمعاءهم وأحشاءهم ، أو أريد بالبطون الباطن ، فشمل الحلق والحلقوم ، تلا أبوه هريرة هذه الآية فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « إن الحميم ليصب على رءوسهم فينفذ الجمجمة » أى الرأس وما تحته - حتى يخلص الى جوف أحدهم فيلست ما فى جوفه حتى يمرق من قدميه ، وهو الصهر ، ثم يعاد كما كان ، ويستثنى القلب لأنه لا موت فى النار ولا فى الجنة ، وليس المراد أنه يسلت الجوف ، ويبقى الجسد ، بل يسلت الجوف فى سائر البدن ، فيبقى العظم والقلب ألا ترى الى قوله :

﴿ والجُلُود ﴾ فكما يصهر الجلد يصهر اللحم تحته وأخر الجلد للفاصلة ، وصرح بعض بأن الآية على ظاهرها ، وهو صهر الجلد دون اللحم تحتها ، والعطف على ما ، وقدر بعضهم وتحرق الجلود ، لأن الجلود لا تذاب ، بل تجتمع فى النار فذلك كقوله : علفتها تبنا وماء بارداً ، والماء لا يعلف ، فيقدر وسقيتها ، قلت لا حاجة الى ذلك ، بل خلق الله ذلك الحميم يصهر الجلود ، وأحكام تلك الدار ليست كهذه ، وفسر بعضهم الصهر بالنفخ كقوله تصهره الشمس ولا ينصهر ، فناسب الجلد بلا تأويل ، لكن يحتاج الى ذكر الإسالة كما ذكر فى الحديث ، فالصهر بمعنى الإسالة أولى .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٦١٥