سورة النور · الآية ١١ من ٦٤

‹ السورة السابقة
إِنَّ ٱلَّذِینَ جَاۤءُو بِٱلۡإِفۡكِ عُصۡبَةࣱ مِّنكُمۡۚ لَا تَحۡسَبُوهُ شَرࣰّا لَّكُمۖ بَلۡ هُوَ خَیۡرࣱ لَّكُمۡۚ لِكُلِّ ٱمۡرِئࣲ مِّنۡهُم مَّا ٱكۡتَسَبَ مِنَ ٱلۡإِثۡمِۚ وَٱلَّذِی تَوَلَّىٰ كِبۡرَهُۥ مِنۡهُمۡ لَهُۥ عَذَابٌ عَظِیمࣱ١١
الرسم الإملائيّ

إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ

الجزء ١٨الربع ١٤٠ صفحة ٣٥١

تفسيرها

[سورة النور — آية 11]

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ﴾ بأبلغ ما يكون من الكذب من الأفك، وهو الصرف ، لأنه قول مأفوك عن وجهه ، والمراد ما أفك به عن عائشة . ﴿عُصْبَةٌ مِّنكُمْ﴾ جماعة منكم ، ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم﴾ مستأنف ، معناه: ﴿يا﴾عائشة ويا صفوان ، (لعله) وقيل: هو خطاب لعائشة ، ﴿بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ لاكتسابكم به الثواب العظيم من أجل صبركم ، ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ﴾ لكل جزاء ما اكتسب بقدر ما خاض فيه مختصا به ، يعني: من العصبة الكاذبة ، ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ معظمه ﴿مِنْهُمْ﴾ من الخائضين ، ﴿لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٠٢

[سورة النور — آية 11]

قوله : ﴿ إِنَّ الذِينَ جَآءُو بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ﴾ أي : جماعة منكم .

قال بعضهم : هذا كان في شأن عائشة وما أذيع عليها أنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فأخذ الناس في الرحيل ، فانقطعت قلادة لها ، فطلبتها في المنزل ومضى الناس . وقد كان صفوان بن المعطل تخلّف عن المنزل قبل ذلك . ثم أقبل فوجد الناس قد ارتحلوا ، وهو على بعيره . فإِذا هو بعائشة ، فجاءها ببعيره وولاّها ظهره حتى ركبت . ثم قاد بها ، فجاء بها وقد نزل الناس . فتكلّم بذلك قوم واتَّهَمُوها .

بلغنا أن عبد الله بن أُبَي بن سلول وحسّان بن ثابت ومسطحاً وحمنة بنت جحش هم الذين تكلّموا في ذلك ثم شاع ذلك في الناس . فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أنزل الله عذرها جلد كل واحد منهم الحد . وقوله : ﴿ إِنَّ الذِينَ جَآءُو بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ﴾ يعني هؤلاء .

ثم قال تعالى : ﴿ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُم ﴾ يعني عائشة وصفوان ، يعني ما قيل فيهما ﴿ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِىءٍ مِّنْهُم ﴾ أي : من الذين قالوا ما قالوا ﴿ مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ ﴾ أي ما اقترف من الذنب على قدر ما أشاع .

﴿ وَالذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ ﴾ أي : الذي بدأ به ﴿ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ قال بعضهم : هو مسطح ، فذهب بصره و هو العذاب العظيم . وقال بعضهم : هو عبد الله ابن أبيّ بن سلول المنافق ، له عذاب عظيم ، أي : جهنم ، فلا أعظم من ذلك .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٠٢

[سورة النور — آية 11]

﴿ إنَّ الَّذين جاءوا بالإفك ﴾ الكذب العظيم ، وهو قذف عائشة وصفوان بالزنى ﴿ عُصبةٌ ﴾ جماعة ، وأصله الجماعة المتعصبون ، قلُّوا أو كثروا ، وكثر فى العشرة الى الأربعين ، وهنا خمسة أو أربعة أو ستة كما ترى إن شاء الله ﴿ منْكُم ﴾ أيها المؤمنون ، ولو كان فيهم منافق بإضمار الشرك ، وهو عبد الله بن أبى بن سلول ، لأنه فى الظاهر مؤمن د أى من اهل ملتكم ، فشمل النبى صلى الله عليه وسلم ، أو منكم أيها الناس المدعون النصرة لرصول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبى المذكور ، وحمنة بنت جحش أخت ام المؤمنين زينب رضى الله عنها ، وزوج طلحة بن عبيد الله ، ومسطح بن أثاثة ، وحسان وغيره ، ولم يعده بعض ، قيل وزيد بن رفاعة ولم يصح فيه نقل ، وقيل خطأ ، وكذب حسان من عده فى هؤلاء وبرأ عائشة رضى الله عنها فى أبيات توجد فى ديوانه :

حصانٌ رزانٌ ما تزن تريبة … وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

حليلة خير الناس ديناً ومنصبا … نبى الهدى ذى المكرمات الفواضل

عقلية حى من لؤى بن غالب … كرام المساعى مجدهم غير زائل

مهذبة قد طيب الله خيمها … وطهرها من كل سوء وباطل

فغن كنت قد قلت الذى قد زعمتم … فلا رفعت سوطى إلىَّ أناملى

فكيف وودى ما حييت ونصرتى … لآل رسول الله زين المحافل

له رتب عال على الناس كلهم … تقاصر عنه سورة المتطاول

فإن الذى قد قيل ليس بلائط … ولكنه قول امرئ بى ما حل

ولما قال البيت الأول قالت لكنك لست كذلك ، أقرع صلى الله عليه وسلم بين نسائه فى غزوة بنى المصطلق سنة ست ، فاصابتها القرعة ، فخرج بها ، ولما قربوا من المدينة فى رجوعهم خرجب عن الجيش لحاجة الإنسان فرفعوا الهودج على البعير يظنونها فيه لخفتها ، بالصغر ولخفة النساء حينئذ بقلة الأكل ، ورجعت الى المحل ففقدت فى رجوعها عقداً من جزع ظفار ، فاشتعلت بطلبه ، ثم وصلت المحل فلم تجد احداً ، وانتظرت رجوعهم ونامت غلبة ، وقد تخلف صفوان بن المعطل عن الجيش ، فبلغ المحل فوجدها وقد عرفها قبل نزول الحجاب ، فخمرت وجهها .

قالت : والله ما كلمنى ولا كلمته إلا انه قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وأناخ راحلته فوطئ على يديها فركبت وقاد بى فوصل الجيش فى الظهيرة ، فتولى الإفك ابن أبى بن سلول ، وخاض الناس معه ، ومرضت شهراً ولا أدرى ما يقال ، وخرضت للبراز ولا كنيف يومئذ فى الديار مع ام مسطح ، فعثرت بذيلها فقالت : تعس مسطح ، فقلت : أتسبين شاهد بدر؟ فقالت ألم تسمعى ما قال؟ فقلت : لا ، فأخبرتنى ، وذهبت الى أبوىّ بإذنه صلى الله عليه وسلم ، لأتحقق الأمر ، فقالت أمى أم رمان زينب بنت دهمان : لا وضيئة عند رجل لها ضرائر إلا كثرن عليها ، فبكيت ليلتى ، وما نمت فدعا صلى الله عليه وسلم عليا وأسامة فقال أسامة : هى أهلك ، ولا نعلم إلا خيراً ، وقال على : النساء كثيرة سواها ، ولكن سل الجارية بربرة ، وروى أنه ضربها وقال أصدقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه قال : قد قال الناس ، ولك طلاقها ، وهو كلام لا بأس به .

وأخطأ عبد الملك من بنى أمية إذ نسبه الى الإفك بهذا ، فسألها فقالت : والله ما علمت إلا انها حديثة السن ، تنام عن العجين فيأكله الداجن ، مجاء الوحى ببرائتها ، فقالت أمها ، قومى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : لا والله لا أحمد إلا الله سبحانه .

﴿ لا تحسبوه ﴾ أى الإفك ﴿ شرّاً ﴾ تنحط به رتبكم ، والخطاب لمن خوطب بمنكم ، والتسلية حاصلة فى الجملة لأهلها ، وقيل : الخطاب هنا لأهلها ، وهم عائشة وأبواها والنبى صلى الله عليه وسلم ، وهو أنسب لأن الشر ينفى عمن يتوقعه فى مثل هذا الماقم ، لإثبات الخير خير المصيبة فى قوله عز وجل : ﴿ بل هُو خيرٌ لكُم ﴾ تثابون عليه فى الآخرة ، ترفع به درجاتكم ، إذ نزل فى القرآن ببراءتها عشر آيات كما قالت ، وعن سعيد ابن جبير : خمس عشرة آية وقرأ الى ﴿ الخبيثين ﴾ والصواب ان يعد الى ﴿ رزق كريم ﴾ قالت رضى الله عنها : ما ظننت أن ينزل فى قرآن يتلى ، ورجوت أن يرى صلى الله عليه وسلم رؤيا .

﴿ لكلِّ امرئ منهم ﴾ من الذين جاءوا بالإفك ﴿ ما اكتسب ﴾ ما واقعة على الاثم كما بينه بقوله : ﴿ من الإثم ﴾ فيقدر مضاف ، أى جزاء ما اكتسب ، أو عبر بالسب أو الملزوم وهو الاثم عن المسبب ، واللازم وهو الجزاء أو ما واقعة على الجزاء ، ومن للسببية أو للآلة ، وذلك أن الناس الخائضين فى الإفك متكلم به ، وراض به ، وضاحك ومبتسم ومبالغ فيه كما قال سبحانه :

﴿ والذى تولى كبره ﴾ معظمه ، وهو عبد الله بن ابى ، كان لعنه الله يجمع الناس ويذكر لهم الإفك ، ويشيعه وينافق ، ويبالغ فى عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبذلك قال أكثر المفسرين والمحدثين ، وهو المشهر عن عائشة ، وهو أول من أذاعه ، وعنها : هو وحمنه ، وقيل : هو وحسان وسطح ، فالذى على القولين للجنس ﴿ منْهُم ﴾ من الجاءين بالإفك ﴿ له عذابٌ عَظيمٌ ﴾ فى الدنيا والآخرة جلد ابن أبى فى المسجد حدين ، وقيل حدا وله الدرك الأسفل من النار ، وحسانا وحمنة ومسطحاً حدا وجيعا وجئوا فى أعناقهم ، وقيل : لم يجد ولهم عذاب الآخرة .

وقيل : المراد فى الآية عذاب الآخرة ، وهو قول من قال لم يجدوا ، وروى أنه كان حسان يدخل عليها فقيل : كيف يدخل عليكم وهو الذى تولى كبر الإفك؟ فقالت : وأى عذاب أشد من العمى والكسع بالسيف ، وروى أنها تضع له وسادة وتقول : لا تؤذوا حسانا إنه كان ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وظاهر كلاهما انه لا عذاب عليه فى الآخرة فالعذاب فى الآية على التوزيع ، منهم من يعذب فى الدنيا والاخرة ، ومنهم من يعذب فى الدنيا ، ومن عذابها الافتضاح بالوحى ببرائتها ، ومراد عائشة بالكسع أنه ضرب صفوان حسانا بالسيف على رأسه إذ قذفه فقال :

تلق ذباب السيف منى فإننى … غلام إذا هو جئت لست شاعر

يعنى لا أنتقم بالشعر ، بل بالسيف ، فجره ثابت بن قيس بن شماس بحبل مجموع اليدين الى عنقه ، فلقيه عبد الله بن رواحة ، فأخبره بضربه ، فقال : أطلقه فقال صلى الله عليه وسلم لصفوان : « لم ضربته؟ » قال لأنه قذفنى ، فقال لحسان : « أحسن يا حسان » فقال : وهبت هذه الجناية لك يا رسول الله ، فعوضه بيرحاء ، وسرين امة قبطلية ولدت له عبد الرحمن .

افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٠٢