سورة النور
الجزء النور · صفحة ٠﴿ إنَّ الَّذين جاءوا بالإفك ﴾ الكذب العظيم ، وهو قذف عائشة وصفوان بالزنى ﴿ عُصبةٌ ﴾ جماعة ، وأصله الجماعة المتعصبون ، قلُّوا أو كثروا ، وكثر فى العشرة الى الأربعين ، وهنا خمسة أو أربعة أو ستة كما ترى إن شاء الله ﴿ منْكُم ﴾ أيها المؤمنون ، ولو كان فيهم منافق بإضمار الشرك ، وهو عبد الله بن أبى بن سلول ، لأنه فى الظاهر مؤمن د أى من اهل ملتكم ، فشمل النبى صلى الله عليه وسلم ، أو منكم أيها الناس المدعون النصرة لرصول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبى المذكور ، وحمنة بنت جحش أخت ام المؤمنين زينب رضى الله عنها ، وزوج طلحة بن عبيد الله ، ومسطح بن أثاثة ، وحسان وغيره ، ولم يعده بعض ، قيل وزيد بن رفاعة ولم يصح فيه نقل ، وقيل خطأ ، وكذب حسان من عده فى هؤلاء وبرأ عائشة رضى الله عنها فى أبيات توجد فى ديوانه :
حصانٌ رزانٌ ما تزن تريبة … وتصبح غرثى من لحوم الغوافل
حليلة خير الناس ديناً ومنصبا … نبى الهدى ذى المكرمات الفواضل
عقلية حى من لؤى بن غالب … كرام المساعى مجدهم غير زائل
مهذبة قد طيب الله خيمها … وطهرها من كل سوء وباطل
فغن كنت قد قلت الذى قد زعمتم … فلا رفعت سوطى إلىَّ أناملى
فكيف وودى ما حييت ونصرتى … لآل رسول الله زين المحافل
له رتب عال على الناس كلهم … تقاصر عنه سورة المتطاول
فإن الذى قد قيل ليس بلائط … ولكنه قول امرئ بى ما حل
ولما قال البيت الأول قالت لكنك لست كذلك ، أقرع صلى الله عليه وسلم بين نسائه فى غزوة بنى المصطلق سنة ست ، فاصابتها القرعة ، فخرج بها ، ولما قربوا من المدينة فى رجوعهم خرجب عن الجيش لحاجة الإنسان فرفعوا الهودج على البعير يظنونها فيه لخفتها ، بالصغر ولخفة النساء حينئذ بقلة الأكل ، ورجعت الى المحل ففقدت فى رجوعها عقداً من جزع ظفار ، فاشتعلت بطلبه ، ثم وصلت المحل فلم تجد احداً ، وانتظرت رجوعهم ونامت غلبة ، وقد تخلف صفوان بن المعطل عن الجيش ، فبلغ المحل فوجدها وقد عرفها قبل نزول الحجاب ، فخمرت وجهها .
قالت : والله ما كلمنى ولا كلمته إلا انه قال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، وأناخ راحلته فوطئ على يديها فركبت وقاد بى فوصل الجيش فى الظهيرة ، فتولى الإفك ابن أبى بن سلول ، وخاض الناس معه ، ومرضت شهراً ولا أدرى ما يقال ، وخرضت للبراز ولا كنيف يومئذ فى الديار مع ام مسطح ، فعثرت بذيلها فقالت : تعس مسطح ، فقلت : أتسبين شاهد بدر؟ فقالت ألم تسمعى ما قال؟ فقلت : لا ، فأخبرتنى ، وذهبت الى أبوىّ بإذنه صلى الله عليه وسلم ، لأتحقق الأمر ، فقالت أمى أم رمان زينب بنت دهمان : لا وضيئة عند رجل لها ضرائر إلا كثرن عليها ، فبكيت ليلتى ، وما نمت فدعا صلى الله عليه وسلم عليا وأسامة فقال أسامة : هى أهلك ، ولا نعلم إلا خيراً ، وقال على : النساء كثيرة سواها ، ولكن سل الجارية بربرة ، وروى أنه ضربها وقال أصدقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأنه قال : قد قال الناس ، ولك طلاقها ، وهو كلام لا بأس به .
وأخطأ عبد الملك من بنى أمية إذ نسبه الى الإفك بهذا ، فسألها فقالت : والله ما علمت إلا انها حديثة السن ، تنام عن العجين فيأكله الداجن ، مجاء الوحى ببرائتها ، فقالت أمها ، قومى الى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : لا والله لا أحمد إلا الله سبحانه .
﴿ لا تحسبوه ﴾ أى الإفك ﴿ شرّاً ﴾ تنحط به رتبكم ، والخطاب لمن خوطب بمنكم ، والتسلية حاصلة فى الجملة لأهلها ، وقيل : الخطاب هنا لأهلها ، وهم عائشة وأبواها والنبى صلى الله عليه وسلم ، وهو أنسب لأن الشر ينفى عمن يتوقعه فى مثل هذا الماقم ، لإثبات الخير خير المصيبة فى قوله عز وجل : ﴿ بل هُو خيرٌ لكُم ﴾ تثابون عليه فى الآخرة ، ترفع به درجاتكم ، إذ نزل فى القرآن ببراءتها عشر آيات كما قالت ، وعن سعيد ابن جبير : خمس عشرة آية وقرأ الى ﴿ الخبيثين ﴾ والصواب ان يعد الى ﴿ رزق كريم ﴾ قالت رضى الله عنها : ما ظننت أن ينزل فى قرآن يتلى ، ورجوت أن يرى صلى الله عليه وسلم رؤيا .
﴿ لكلِّ امرئ منهم ﴾ من الذين جاءوا بالإفك ﴿ ما اكتسب ﴾ ما واقعة على الاثم كما بينه بقوله : ﴿ من الإثم ﴾ فيقدر مضاف ، أى جزاء ما اكتسب ، أو عبر بالسب أو الملزوم وهو الاثم عن المسبب ، واللازم وهو الجزاء أو ما واقعة على الجزاء ، ومن للسببية أو للآلة ، وذلك أن الناس الخائضين فى الإفك متكلم به ، وراض به ، وضاحك ومبتسم ومبالغ فيه كما قال سبحانه :
﴿ والذى تولى كبره ﴾ معظمه ، وهو عبد الله بن ابى ، كان لعنه الله يجمع الناس ويذكر لهم الإفك ، ويشيعه وينافق ، ويبالغ فى عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبذلك قال أكثر المفسرين والمحدثين ، وهو المشهر عن عائشة ، وهو أول من أذاعه ، وعنها : هو وحمنه ، وقيل : هو وحسان وسطح ، فالذى على القولين للجنس ﴿ منْهُم ﴾ من الجاءين بالإفك ﴿ له عذابٌ عَظيمٌ ﴾ فى الدنيا والآخرة جلد ابن أبى فى المسجد حدين ، وقيل حدا وله الدرك الأسفل من النار ، وحسانا وحمنة ومسطحاً حدا وجيعا وجئوا فى أعناقهم ، وقيل : لم يجد ولهم عذاب الآخرة .
وقيل : المراد فى الآية عذاب الآخرة ، وهو قول من قال لم يجدوا ، وروى أنه كان حسان يدخل عليها فقيل : كيف يدخل عليكم وهو الذى تولى كبر الإفك؟ فقالت : وأى عذاب أشد من العمى والكسع بالسيف ، وروى أنها تضع له وسادة وتقول : لا تؤذوا حسانا إنه كان ينصر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وظاهر كلاهما انه لا عذاب عليه فى الآخرة فالعذاب فى الآية على التوزيع ، منهم من يعذب فى الدنيا والاخرة ، ومنهم من يعذب فى الدنيا ، ومن عذابها الافتضاح بالوحى ببرائتها ، ومراد عائشة بالكسع أنه ضرب صفوان حسانا بالسيف على رأسه إذ قذفه فقال :
تلق ذباب السيف منى فإننى … غلام إذا هو جئت لست شاعر
يعنى لا أنتقم بالشعر ، بل بالسيف ، فجره ثابت بن قيس بن شماس بحبل مجموع اليدين الى عنقه ، فلقيه عبد الله بن رواحة ، فأخبره بضربه ، فقال : أطلقه فقال صلى الله عليه وسلم لصفوان : « لم ضربته؟ » قال لأنه قذفنى ، فقال لحسان : « أحسن يا حسان » فقال : وهبت هذه الجناية لك يا رسول الله ، فعوضه بيرحاء ، وسرين امة قبطلية ولدت له عبد الرحمن .