قَالُوا۟ سُبۡحَٰنَكَ مَا كَانَ یَنۢبَغِی لَنَاۤ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِیَاۤءَ وَلَٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَاۤءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُوا۟ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُوا۟ قَوۡمَۢا بُورࣰا١٨
الرسم الإملائيّ
قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا
الجزء ١٨الربع ١٤٤ صفحة ٣٦١
تفسيرها
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ للجزاء ، ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ تعم كل معبود سواه ، ﴿فَيَقُولُ﴾ أي: للمعبودين ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء، أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾؟ لإخلافهم بالنظر الصحيح ، وإعراضهم عن المرشد النصيح ، وهو استفهام تقريع وتبكيت ، ﴿قَالُوا : سُبْحَانَكَ﴾!! تعجبا مما قيل لهم ، لأنهم إما ملائكة أو أنبياء ، أو جمادات لا تقدر على شيء ، أو إشعار بأنهم الموسومون بتسبيحه وتوحيده ، فكيف يليق بهم إضلال عبيده؟ أو تنزيها لله عن الأنداد ، ومعنى ﴿ سُبْحَانَكَ﴾ : وهو الله من أن يكون معه إله ، ﴿ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا﴾ يصح لنا ﴿ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء﴾ للعصمة إن كانوا ملائكة ، أو عدم القدرة إن كانوا جمادا ، فكيف يصح لنا أن ندعو غيرنا أن يتولى أحدا دونك ، ﴿ وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ﴾ بأنواع النعم ، فاستغرقوا في الشهوات ، ﴿ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ حتى غفلوا عن ذكرك ، أو التذكر لآلائك ، والتدبر في آياتك ، ﴿ وَكَانُوا﴾ في قضائك ﴿ قَوْمًا بُورًا﴾ هالكين متروكين في الهلاك ، والبور واجب تركه.
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٧٣
﴿ قَالُوا ﴾ قالت الملائكة في تفسير الحسن . وقال مجاهد : قالت الملائكة وعيسى وعزير : ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ يُنزِّهون الله عن ذلك ﴿ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ ﴾ أي : لم نكن نواليهم على عبادتهم إيانا . وبعضهم يقرأها : ﴿ أَن نَّتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ ﴾ .
﴿ وَلَكِن مَتَّعْتَهُمْ وَءَابَآءَهُمْ ﴾ في عيشهم في الدنيا بغير عذاب ﴿ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ ﴾ أي : حتى تركوا الذكر لما جاءهم في الدنيا . ﴿ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً ﴾ . أي : فاسدين فساد الشرك . وقال مجاهد : هالكين .
قال الله لهم في الآخرة : ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ ﴾ . قال الحسن : يقول للمشركين : ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ ﴾ أي : إنهم آلهة .
وفي تفسير مجاهد قال : يكذبون المشركين بقولهم ، إذ جعلوهم آلهة ، فانتفوا من ذلك ونزّهوا الله عنه . وبعضهم يقرأها : ﴿ بِمَا يَقُولُونَ ﴾ يعني قول الملائكة في قول الحسن ، وفي قول مجاهد : الملائكة وعيسى وعزير .
قال : ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً ﴾ قال الحسن : فما يستطيع الذين عبدوهم لهم ( صَرْفاً ) ، أي : أن يصرفوا عنهم العذاب ، ﴿ وَلاَ نَصْراً ﴾ أي : ولا ينصرونهم .
قوله : ﴿ وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ ﴾ أي : ومن يشرك منكم وينافق ﴿ نُذِقْهُ ﴾ أي : نعذّبه ﴿ عَذَاباً كَبِيراً ﴾ كقوله : ﴿ إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ الله العَذَابَ الأَكْبَرَ ﴾ [ الغاشية : 23-24 ] .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٧٣
﴿ قالُوا ﴾ أى المعبودون المسئولون ، مقتضى الظاهر يقولون لمناسبة ، يقولون وجئ بالماضى لتحقق التنزيه ، وأنه حالهم قبل القيامة ، ولأن المراد الأعظم بالذات الجواب بهذا التنزيه ﴿ سُبْحانك ﴾ وهو تعجب من الأصنام كيف نضلهم ونحن جماد ، من الملائكة والأنبياء والأولياء كيف نضلهم وما شأننا إلا الانقياد لك ، وتسبيحك ، وقد عصمتنا ، أو مجرد تنزيه وتمهيد لقولهم : ﴿ ما كان ينْبَغى لنا ﴾ يستقيم ﴿ أن نتَّخذَ مِنْ دُونكَ ﴾ من للابتداء متعلق بنتخذ ، أو للبيان او التبعيض متعلق بمحذوف حال من أولياء فى قوله :
﴿ من أولياء ﴾ ومن صلة فى معومل المنفى كما تجئ فى نفس ما بعد المنفى ، وهذا كما ذكرت زيادة فى خبر المبتدأ الشبيه نعته باسم الشرط فى العموم من قوله تعالى : ﴿ والقواعد من النساء ﴾ والأولياء الآلهة المعبودون ، كيف نتخذ أولياء للعبادة غيرك ، فكيف نأمر غيرنا باتخاذها ، فضلا عن أن ندعوهم الى اتخاذهم ايانا آلهة ، أو الأولياء الأتباع كما يطلق على المتبوعين ، كيف نتخذ لنا أتباعاً يعبدوننا ، وجاء أولياء الشيطان بمعنى أتباعه ، ومعنى أولياء من دونك ، أولياء لست واحداً منهم ، ولو كان واحداً منهم لم يكف ، لأنه يستحق العبادة وحده .
﴿ ولكن متَّعتهم ﴾ بالنعم ﴿ وآباءهم ﴾ فكفروها ، وجعلوا بدل شكرها ما هو اعظم ذنب وهو الاشراك لاعراضهم عن الوحى كما قال : ﴿ نسوا الذكر ﴾ تركوا ما أنزل الله من التوحيد ، أو ذكرك بالشكر ﴿ وكانُوا ﴾ فى علمك ﴿ قوماً بوراً ﴾ مصدر بمعنى هلاك ، أو فساد مبالغة ، أو يقدر بذوى بور او ببائرين ، أو جمع بائر شذوذاً كعوذ جمع جمع عائذ ، والاضلال فعل الله تعالى ، لا على الاجبار ، بل بخلق الضلالة وأسبابه ، والضلال ضل باختياره فعوقب على اختياره واكتسابه ، ولو كانا مخلوقين لله تعالى .
افتحه في القارئ · صفحة ٢٬٨٧٣