قَالَ ٱلَّذِی عِندَهُۥ عِلۡمࣱ مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ أَنَا۠ ءَاتِیكَ بِهِۦ قَبۡلَ أَن یَرۡتَدَّ إِلَیۡكَ طَرۡفُكَۚ فَلَمَّا رَءَاهُ مُسۡتَقِرًّا عِندَهُۥ قَالَ هَٰذَا مِن فَضۡلِ رَبِّی لِیَبۡلُوَنِیۤ ءَأَشۡكُرُ أَمۡ أَكۡفُرُۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا یَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّی غَنِیࣱّ كَرِیمࣱ٤٠
الرسم الإملائيّ
قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ
الجزء ١٩الربع ١٥٢ صفحة ٣٨٠
تفسيرها
﴿قَالَ: الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ﴾ قيل: هو آصف بن برخيا ، أو جبريل ، أو ملك غيره ، أو سليمان نفسه ، فيكون التعبير عنه بذلك للدلالة على شرف العلم ، وأن هذه الكرامة كانت نسبية . والخطاب: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ للعفريت ، أراد إظهار معجزة في نقله ، فتحداهم أولا ، ثم أراهم أنه يتأتى له ما لا يتهيأ لعفاريت الجن فضلا عن غيره. والمراد بالكتاب: جنس الكتب المنزلة ، وهذا غاية في الإسراع ومثل فيه ، ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ ، قَالَ : هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾ ولم يقل: إنما أوتيته على علم عندي ﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ، وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ * قَالَ : نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا ﴾ بتغيير هيأته وشكله ، ﴿نَنظُرْ أَتَهْتَدِي ، أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لَا يَهْتَدُونَ﴾ قيل: إلى معرفته ، أو إلى الإيمان بالله ورسوله.
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬١٩٩
ف ﴿ قَالَ الذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِنَ الكِتَابِ ﴾ وكان رجلاً من بني إسرائيل يقال له : اصف بن برخيا ، يعلم اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب : يا ذا الجلال والإِكرام ، والمنن العظام والعز الذي لا يرام . هذا تفسير اسمه الأعظم ، والله أعلم .
قَالَ ﴿ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ وطرفه أن يبعث رسولاً إلى منتهى طرفه فلا يرجع حتى يؤتى به .
فدعا الرجل باسم الله : ﴿ فَلَمَّا رَءَاهُ ﴾ يعني رأى سليمان السرير ﴿ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُونِي ءَأشْكُرُ أمْ أَكْفُرُ ﴾ . أي : أشكر نعمة الله أم أكفرها . ﴿ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ .
ذكر ابن عباس قال : إن صاحب سليمان الذي عنده علم من الكتاب كان يحسن الاسم الأكبر؛ فدعا به؛ وكان بينه وبين السرير مسيرة شهرين ، فلما أتى به ورآه سليمان مستقرّاً عنده كأنه وقع في نفسه مثل الحسد له . ثم فكّر فقال : أليس هذا الذي قدر على ما لم أقدر عليه مسخّراً لي . ﴿ هذا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي ءَأَشْكُرُ أمْ أَكْفُرُ ﴾ . وقال بعضهم : هو جبريل الذي قال : أنا آتيك به .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬١٩٩
﴿ قالَ الذى عنْدهُ علمٌ من الكتاب أنا آتيك به قبل أنْ يرتَدَّ اليكَ طَرْفك ﴾ أعاد القول بيانا لتفاوت القولين ورجحان الثانى ، حتى أنه لا اعتبار للأول إلا إذا فسرنا القيام من مقامك باستوائك واقفاً ، فانه قريب من مقدار ارتداد الطرف لكن يبقى التفاوت ببعض المدة ، وبأن ما من الذى علم من الكتاب أقوى وأنسب مما نسب لقوة البدن ، والعلم إدراك أو أمر معلوم أدركه يجاب به الدعاء ، والكتاب التوراة أو الجنس أو اللوح المحفوظ .
وقيل : الذى أرسل الى بلقيس هو آصف بن برخيا بن شمعيا بن منكيل ، وأمه باطور من بنى اسرائيل ، وهو وزير سليمان وابن أخته ، يعلم الاسم الأعظم ، وكان كاتبه ، أو هو رجل اسمه أسطوم ، وقيل : أسطورس ، وقيل ، رجل يقال له : ذو النور ، وقيل الخضر ، وقيل رجل اسمه ملخ أو تمليخا ، وقيل يقال له هود ، وقيل من خيله ، وقيل : جبريل ، وقيل ملك آخر من الملائكة ، أيد الله به سليمان عليه السلام ، والمشهور الأول آصف ، دعا : يا حى يا قيوم ، يا ذا الجلال والإكرام ، يا حى يا قيوم ، يا إلهنا وإله كل شىء إلهاً واحداً ، إتينى بعرشها ، دعا بذلك فأتت به الملائكة من تحت الأرض ، ووضعته بين يدى سليمان ، وكاف آتيك فى الموضعين لسليمان .
وقيل : هو سليمان لأنه أعلم أهل زمانه ، سجد ودعا فالكاف الثانية ، وكاف إليك وطرفك خطاب منه للعفريت استحقار منه لقوة العفريت بالنسبة لما فى العلم ، ومعنى إتيان سليمان به للعفريت استحضاره فى موضع هو فيه ، والصحيح هو الأول ، وتخصيص أحد من أمة نبى بما لم يكن لذلك النبى لا يقدح فيه ، لأن الله أن يفعل ما شاء ، وأيضاً لم يخبرنا الله أن سليمان لا يقدر على ذلك ، وأيضاً ذلك للرجل مع عظم شأنه تحت سليمان ، وخدم من خدمه ، والموصول وصلته ، يجوز استعماله فى غير معلوم للتعظيم ، نحو : ﴿ فغشيهم ﴾ الخ ، فلا يلزم ان يكون هو سليمان ، وقوله : ﴿ من فضل ربى ﴾ حمد على ما أجرى الله تعالى له على من تحت يده .
وأيضا جرى على يد آصف ، ليعلم الناس أنه خلفة بعده ، ويعلموا فضله ، وأن ما ناله انما ناله بصحبة سليمان والمارد بارتداد الطرف مدة رجوع نظره اليه بحسب اختياره لا الى خصوص نفسه ، فانك تنتقل من نظر شىء الى ما شئت من إمساكه عن النظر ، ومن نظره الى آخر وفسره بعض بانضمام الجفن بعد فتحه ، ويروى أن آصف بن برخيا قال لسليمان : مد عينيك حتى ينتهى طرفهما فنظر نحو اليمن كذلك ، فحضره العرش قيل ارتداده .
﴿ فلمَّا رآه ﴾ بعينيه ﴿ مستقرأ عنْدَه ﴾ الاستقرار كون خاص لا عام ، ولذلك ذكر ولم ينب عنه الظرف ، فان المراد به الثبوت مع الرسوخ ، وعدم التزلزل الى جهة ، وبين موضعه من الشام ، وموضع العرش من مأرب مسافة شهرين ، وقيل هو حينئذ فى صنعاء فبينه وبين العرش ثلاثة أيام ، وجاء بين السماء والأرض ، وقيل : انشقت به الأرض ، وقال ابن العربى أعدمه الله فى محله ، وأوجده عند سليمان كخلق الميت بعد موته .
﴿ قال هذا ﴾ ما ذكر من استقراره عنده ﴿ مِنْ فَضْل ربى ﴾ لى أو على من غير استحقاق ذاتى ﴿ ليَبْلوَنى ﴾ خبر ثان ، أو متعلق بقوله من فضل ربِّى ﴿ أأشكر ﴾ هذه النعمة بزيادة العبادة وزيادة الايمان ، وزيادة التواضع ، والتبرؤ من حولى ، وقوتى ، وحول غيرى وقته ، من اعتبار الوسط ﴿ أم أكْفُر ﴾ عكس ذلك ﴿ ومنْ شَكَر ﴾ نعم الله فإنما يشْكُر لنَفْسِه قصد الشكر لنفع نفسه ، بغدامة الموجود ، وجلب غيره ، وأداء الواجب أو قصده تعبدا بدون قصد النفع ، أى فشكره عائد إليه ﴿ وم كَفَر ﴾ النعمة ، جوابه محذوف أى فانما أهلك نفسه أغنى تعلله عنه بقوله : ﴿ فإنَّ ربِّى غنىٌّ ﴾ أى لأن الله غنى عن شكره ، لا نفع له فيه ولا يضره كفره ، فايه خالق النفع والضر ، ومن شأنه الكرم على العاصى والمطيع ، وحصلت المناسبة لقوله : ﴿ كريمٌ ﴾ لا يقطع النعم بكفرها ، ولا يعجل به الانتقام إلا قليلا ، ولا تجز فى القرآن أو غيره ، أن تكون من موصولة ، والفاء صلة فى خبر المبتدأ إلا لداع صناعى او معنوى .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬١٩٩