وَقَالُوۤا۟ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَاۤۚ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنࣰا یُجۡبَىٰۤ إِلَیۡهِ ثَمَرَٰتُ كُلِّ شَیۡءࣲ رِّزۡقࣰا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ٥٧
الرسم الإملائيّ
وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ
الجزء ٢٠الربع ١٥٧ صفحة ٣٩٢
تفسيرها
﴿وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ نخرج منها ، تعللا منهم لاغترارهم بالباطل ، بما خيل لهم الشيطان أنه لا يقوم لهم عزهم دونه ، وهو كقوله:﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ فَعَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُواْ عَلَى مَا أَسَرُّواْ فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ﴾ ، وكقوله: ﴿ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ﴾. ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ أولم نجعل مكانهم حرما ذا أمن ، ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ﴾ يحمل إليه ﴿ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِن لَّدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ جهلة لا يتفطنون ولا يتفكرون ليعلموا ، وقيل: إنه متعلق بقوله:﴿ مِن لَّدُنَّا﴾ أي: قليل منهم ليتدبروا فيعلمون أن ذلك رزق من الله ، إذ لو علموا لما خافوا غيره ، ثم بين أن الأمر بالعكس ، بأنهم أحقاء بأن يخافوا من بأس الله ، على ما هم عليه بقوله:
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٣٠٩
قوله : ﴿ وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِن أَرْضِنَآ ﴾ أي : لِقلَّتِنَا في كثرة العرب ، ولكن ينفي الحربَ عنا أنا على دينهم ، فإذا آمنا بك واتَّبعناك خشينا أن يتخَطَّفنا الناس .
قال الله : ﴿ أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً ءَامِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا ﴾ أي : من عندنا ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي : قد كانوا في حَرَمِي يَأكلون رزقي ، ويعبدون غيري ، وهم آمنون ، أفيخافون ، إن آمنوا ، أن أُسلِّط عليهم من يقتلهم ويسبيهم؟ ما كنت لأفعل .
قوله : ﴿ يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ ﴾ كقوله : ﴿ يَأتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّنْ كُلِّ مَكَانٍ ﴾ [ النحل : 112 ] .
ذكر بعضهم قال : إن سيلاً أتى على المقام واقتلعه فإذا في أسفله كتاب . فدعوا له رجلاً من حمير فزبره لهم في جريدة ، ثم قرأه عليهم فإذا فيه : هذا بيت الله المحرّم ، جعل رزق من يعمره يأتيهم من ثلاث سبل ، مبارك لأهله في الماء واللحم ، وأول من يحلّه أهله .
ذكر مجاهد قال : وجد عند المقام كتاب الله فيه : إني أنا الله ذو بَكّة ، صنعتها يوم خلقت السماوات والأرض والشمس والقمر ، وحرّمتها يوم خلقت السماوات والأرض ، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء يأتيها رزقها من ثلاث سبل ، مبارك لأهلها في الماء واللّحم ، وأول من يحلّها أهلها .
قال : ﴿ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا ﴾ أي : من عندنا ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي : جماعتهم لا يعلمون ، يعني من لا يؤمن منهم .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٣٠٩
﴿ وقالوا إن نتَّبع الهُدَى ﴾ ما هو هدى عندك وعند الله ، لأن القائل الحارث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف ومن معه ، أتوا النبى صلى الله عليه وسلم فقالوا : نعلم أنك على الحق ، ولكن نخاف إن اتبعناك وخالفناك ، وإنما نحن أكلة رأس أن يتخطفونا من أرضنا ، فرد الله عز وجل بقوله : ﴿ وقالوا إن نتبع الهدى ﴾ ﴿ معَكَ نُتخطَّف ﴾ نؤخذ بسرعة ﴿ من أرْضِنا ﴾ وبقوله عز وجل : ﴿ أو لم نمكِّن لَهُم ﴾ متعلق بنمكِّن لأهل مكة أو للعرب ﴿ حَرماً ﴾ مفعول لنمكن بمعنى نثبت ، ولا حاجة الى جعله بمعنى جعلنا متعديا لاثنين ، ولهم مفعول ثان ﴿ آمناً ﴾ أسند الأمن الى الحرم على طريق المجاز العقلى من الإسناد ، الى المحل لأن الآمن حقيقة أهله ، وأما إذا جعلنا آمناً للنسب كتامر ولابن ، أى حرما ذا أمن ، فليس فيه غنى عما قلنا ، لأن صاحب الأمن ليس الحرم ، بل أهله لا يؤخذ أهله تتناحر العرب حوله ، وتأمن فيه أيضا لا يخافون ضيق الرزق باتباع الهدى كما قال .
﴿ يجبى ﴾ تجمع ﴿ إليه ثمرات كل شىء ﴾ يمكن جلب ثمراته إليه ، وتطلب فلا يشكل بأن كثيرا من الثمرات لا يجبى إليه ، وهذا أولى من أن يقال المراد بالكل الكثرة ، والجملة نعت ثان لحرما ، وإنما حصل الأمن للحرم لأجل الكعبة ﴿ رزْقا ﴾ حال من ثمرات ، أى مرزوقات ، أو مفعول مطلق لتجبى لتضمن يجبى معنى ترزق أو رزقا معنى تجبى ، وأجيز أن يكون مفعولا من أجله بمعنى المصدرى ، وفيه ضعف لتبادر أن المراد بالجبى هو معنى أن يرزقوا بها فلا يعلك بالرزق ﴿ من لدنا ﴾ نعت رزقا أو متعلق بيجبى ﴿ ولكنَّ أكثرهم ﴾ قيل كلهم ، وقيل فيهم يعلم ولا يعمل ، والاستدراك متعلق بقوله : ﴿ أو لم نمكن ﴾ إلخ ، أو بقوله : ﴿ من لدنا ﴾ والأول أولى ، لأن المقام للرد عليهم بأنا قد أعددنا لهم ما يؤمنون معه ، ولا يخافون معه ، وهم مشركون عبدة أوثان ، وكيف إذا أسلموا ، وليس المقام لإعلامهم أن الرزق منا لا من غيرنا ﴿ لا يعْلمُون ﴾ لا يتدبرون فيعلموا أنا قد أحضرنا لهم ما يؤمنون معه إن آمنوا ، أو يعلموا أن ذلك الرزق من الله عز وجل ، وحققوا إذ لو علموا لما خافوا .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٣٠٩