سورة القصص · الآية ٧٨ من ٨٨

‹ السورة السابقة
قَالَ إِنَّمَاۤ أُوتِیتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمٍ عِندِیۤۚ أَوَلَمۡ یَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ قَدۡ أَهۡلَكَ مِن قَبۡلِهِۦ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مَنۡ هُوَ أَشَدُّ مِنۡهُ قُوَّةࣰ وَأَكۡثَرُ جَمۡعࣰاۚ وَلَا یُسۡءَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ٧٨
الرسم الإملائيّ

قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ

الجزء ٢٠الربع ١٥٨ صفحة ٣٩٥

تفسيرها

[سورة القصص — آية 78]

﴿قَالَ : إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ وذلك من نتائج العجب ، وهو طبع النفوس ، ولا يزول عنها إلا بالدفع والتزكية لها منه ، وهو من شباك الشيطان يصيد به الجهلة ، ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا﴾ تعجب وتوبيخ على اغتراره بقوته ، وكثرة ماله مع علمه بذلك ، ولعله قرأه في التوراة ، أو سمعه من حفاظها ، ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (لعله) سؤال استعلام ، فإنه تعالى مطلع عليها ، أو معاتبة ، فإنهم يعذبون بها بغتة ، كأنه لما هدد قارون بذكر إهلاك من قبله ممن كانوا أقوى منه وأغنى ، أكد ذلك بأن بين أنه لم يكن ما يخصهم ، بل الله مطلع على ذنوب المجرمين كلهم ، ومعاقبهم عليها لا محالة.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٣٣٠

[سورة القصص — آية 78]

﴿ قَالَ ﴾ قارون ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾ أي : إنما أعطيته ، يعني ما أعطي من الدنيا ، على علم عندي ، أي : بقوتي وعلمي ، وهي مثل قوله : ﴿ ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾ قال الله : ﴿ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ﴾ أي : بليّة ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ [ الزمر : 49 ] .

قوله : ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمْ ﴾ قارون ، أي : بلى قد علم ، وهذا على الاستفهام ﴿ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ ﴾ من قبل قارون ﴿ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ﴾ أي : من الجنود والرجال .

قال الله : ﴿ وَلاَ يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ المُجْرِمُونَ ﴾ أي : المشركون والمنافقون ، أي : ليعلم ذنوبهم منهم ، أي : يُعرَفون بسواد وجوههم وزرقة عيونهم ، كقوله : ﴿ فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنْسٌ وَلاَ جَآنٌّ ﴾ [ الرحمن : 39 ] ، وكقوله : ﴿ يُعْرَفُ المُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ ﴾ [ الرحمن : 41 ] أي : يجمع بين ناصيته وقدمه .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٣٣٠

[سورة القصص — آية 78]

﴿ قال إنَّما أوتيتُه ﴾ الهاء عائد الى ما من قوله : « فيما آتاك الله » ﴿ على عِلْمٍ ﴾ خصصت به من بين الناس ، أو لأجل علم أو حال من تاء أوتيت ﴿ عِنْدى ﴾ نعت لعلم ، وهو علم التوراة ، وهو أعلم بنى إسرائيل بها ، وقال أبو سليمان الدارانى المنسوب الى داران ، موضع بأندلس علم التجارة والكسب ، وقال ابن المسيب : علم الكيمياء وهو المتبادر ، قيل : كان موسى عليه السلام يعلمه ، فعلم يوشع بن نون ثلثه ، وكالب بن يوقنا ثلثه ، وقارون ثلثه ، فتعلم منهما ثلثيهما ففاق فيه ، وقيل : علمه موسى أخته فعلمته قارون ، أو علم من التواريخ أو القصاص ، وقيل : علم استخراج الدفائن ، وقيل : على علم من الله عندى علمنيه ، وليس فى هذا كفر بخلاف ما قيل من الأقوال ، ففيه إشارة الى استقلاله عن الله فى ذلك ، وهو كفر إلا أن قوله : « أوتيته » إن أراد أن الله آتانيه فاعتراف ، ولا يخلو عن كفر لأنه أراد أنى متأهل لذلك بالذات ، ولفظ الكيمياء يونانى ، ومعناه الحيلة ، أو عبرانى ، ومعناه كيم يه بمعنى أنه من الله ، أو فارسى وأصله كى ميا بمعنى متى يجىء ، وهو استبعاد .

﴿ أو لم يعلم أن الله قَد أهْلَك من قَبْله مِن القُرونِ مَنْ هُو أشدّ منه قُوةً ﴾ فى العقل والبدن ﴿ وأكثْر جَمْعاً ﴾ جمع الرجال ، أو جمع المال ، وهذا مما يبين كذب من قال مفاتيحه وقْر سبعين بغلا من الجلد كالأصْبع فان الله عز وجل لم يعط أحدا قبله ذلك ، ولا أكثر منه ، والهمزة للإنكار مما بعد الواو ، أو دخلت على محذوف كما يعلم من نظائره ، أى أعلم ما ادعاه ، ولم يعلم أن الله إلخ .

بلغ ﴿ ولا يُسأل عن ذنُوبهم المجْرمُون ﴾ عطف على ﴿ إن قارون كان من قوم موسى ﴾ عطف قصة على أخرى ، أو حال من ضمير أهلك ، أو من الموصول أى أو لم يعلم أن الله أهلك العصاة قبله ، والحال أنه عالم بهم لا يحتاج الى السؤال عنهم ، وكذا قارون ، علم الله ذنوبه لا تخفى عنه ، فهلا خاف الهلاك فخذ هذا ولا تخرج عن ذهنك جوازه ، والسؤال فى الدنيا ، والمجرمون على العموم ، أو من قبله ، وإن شئت فالسؤال فى الآخرة لا يسألهم يوم القيامة سؤال استعلام لعلمه بهم ، ولا الملائكة لعلمهم بهم من صحائفهم ، ومن سيماهم ﴿ يعرف المجرمون بسيماهم ﴾ وأما قوله تعالى : ﴿ لنسألنهم أجمعين ﴾ فسؤال توبيخ لا استعلام ، أو هو فى الموضعين توبيخ لا يسألون فى موطن إهانة لهم ، وشدة الغضب ، ويسألون فى آخر توبيخا ، والأول أولى ، ولا تعطف على أن الله قد أهلك لأنه لم يقل ، وأنه لا يسأل .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٣٣٠