سورة آل عمران · الآية ١٣٥ من ٢٠٠

‹ السورة السابقة
وَٱلَّذِینَ إِذَا فَعَلُوا۟ فَٰحِشَةً أَوۡ ظَلَمُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ ذَكَرُوا۟ ٱللَّهَ فَٱسۡتَغۡفَرُوا۟ لِذُنُوبِهِمۡ وَمَن یَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ إِلَّا ٱللَّهُ وَلَمۡ یُصِرُّوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلُوا۟ وَهُمۡ یَعۡلَمُونَ١٣٥
الرسم الإملائيّ

وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ

الجزء ٤الربع ٢٧ صفحة ٦٧

تفسيرها

[سورة آل عمران — آية 135]

﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً ﴾ أي : ركبوا كبيرة ، ﴿ أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ بارتكاب صغيره ، ﴿ ذَكَرُواْ اللّهَ ﴾ تذكروا وعيده أو حكمه أو حقه العظيم . وقال محبوب بن رحيل : << إنه سمع مشايخه المُسلمين يقولون في هذه الآية : ( ذكروا الله ) يقولون : عظُم الله عندهم ، وجلَّ في نفوسهم أن يقيموا على حرام طرفة عين ، ( ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعملون ) >> ؛ ﴿ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ ﴾ فتابوا عنها لقبحها نادمين ، ﴿ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ ﴾ فيه تطيبٌ لنفوس العباد ، وتنشيط بالتوبة وبعث عليها ، وردع عن اليأس والقنوط ، وبيان لسعة رحمته وقرب مغفرته من التائب ، وإشعار بأن الذنوب – وإن جلّت – فإن عفوه أجلَّ . ﴿ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ ﴾ ولم يقيموا على قبح أفعالهم ، ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ مع قيام الحجة عليهم بذلك ، ولن يهلك على الله في دينه معنا إلاَّ مصرٌّ على ذنبه ، قادر على الخروج منه بعينه ، فلم يخرج منه ، لأنَّ التوبة في الجملة مما لا يقدر على الوصول إلى عمله ، كالتوبة من الشيء لعينه ، والتوبة من الذنب كمن لا ذنب له ، والعاجز عن الشيء معذور عنه .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٢٨

[سورة آل عمران — آية 135]

قوله : ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا الله ﴾ في أنفسهم وعلموا أن سائلهم عن ذلك فخافوه وتابوا إليه من ذلك . ﴿ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ ثم قال : ﴿ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ الله ﴾ . وكان جابر بن زيد إذا قرأ هذه الآية : ﴿ ومن يغفر الذنوب إلا الله ﴾ قال : لا أحد يغفرها غيرك يا الله .

ذكروا عن أبي موسى الأشعري قال : جلست إلى رجل من المهاجرين فسمعته يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أيها الناس ، استغفروا الله وتوبوا إليه ، إني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة » ذكر بعض السلف قال : ما جاور عبداً في قبره خير له من الاستغفار .

قوله : ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا ﴾ أي من المعصية ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ .

ذكروا عن ابن عباس قال : كل ذنب أقام عليه العبد حتى يموت فهو كبيرة ، وكل ذنب تاب منه العبد قبل أن يموت فليس بكبيرة . وقال بعضهم : كان يقال : لا قليل مع الإِصرار ولا كثير مع الاستغفار .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٢٨

[سورة آل عمران — آية 135]

﴿ وَالَّذِينَ إذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾ الفعلة القبيحة شرعا وعقلا ، كالزنا والقتل ، قولا أو فعلا أو عقداً ، مما يتعدى إلى الغير ، أو يتعدى ، والتاء للنقل عن الوصفية إذ تغلبت عليه الاسمية ﴿ أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ﴾ مما دون ذلك مما لا يتعدى ، أو يتعدى ، كسرقة ثمرة أو حبة ، أو قبلة ﴿ ذكَرُوا ﴾ بقلوبهم ﴿ اللهَ ﴾ عظمة حقه ، وهو أن يطاع ولا يعصى ، أو عقابه أو حكمه بالتحريم ، أو سؤاله أو غفرانه ﴿ فَاسْتَغْفِرُوا لِذُنُوبِهِمْ ﴾ ندما وتوبه ﴿ وَمَن يَغْفرُ الذُّنُوبَ ﴾ الاستفهام نفى ﴿ إلاّ اللهُ ﴾ بدل من ضمير يغفر ، والجملة معترضة ﴿ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا ﴾ من الفواحش وظلم النفس ، بل أقلعوا ، ثم إن عادوا أقلعوا وهكذا ﴿ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ أن ما فعلوه معصية ، أى لم يصروا عالمين أنه معصية ، وهذا على عهد رسول الله صلى الله عليه لمن لم يصله خبر المعصية ، وأما بعده فلا عذر والجاهل دون العالم فى المعصية إلا أنه قد يتعدى به الجهل إلى تحليل الحرام أو تحريم الحلال ، والإصرار العزم على العود ، أو الاهتمام به ، أو العزم أو الاهتمام على ألا يتوب مما فعل ولو اعتقد ألا يعود ولا إصرار إن فعل ولم ينو ألا يتوب أو أن يعود ، وقيل : إن لم يتب فى الحال فهو مصر ، آخى صلى الله عليه وسلم بين ثقفى وأنصارى مسافر معه صلى الله عليه وسلم فى غزوة فاستخلف الأنصارى على أهله ، فدخل يوما دار الثقفى وأنصارى مسافر زوجه عارية من مغتسل فأراد قبلتها ، فسترت وجهها بيدها فقبل يدها ، وندم ، مستغفراً من ذنب قائلاً ، خنت أخى ، فقال له ، أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذنبك ، فأخبره ، وضم التيهان الثمار امرأة جاءته تشترى تمراً وقبلها ، وندم ، وأخبره صلى الله عليه وسلم فنزلت فيهما ، وقال : هى لكل مسلم ، ويجوز أن تكون الآية تعريضا يقوم أصروا وهم يعلمون ، فلا تفيد أنه من أصر بلا علم معذور ، فإن هذا لا يوجد بعد تمام الدين وانقطاع الوحى فيما يدرك بالعلم ، ولو كان قد يسهل له إذل لم يكن جهله عن تقصير فى طلب العلم به ، أو يقدر ، وهم يعلمون أن الله يتوب على من تاب ، أو يعلمون المؤاخذة بهو وعفو الله .

افتحه في القارئ · صفحة ٤٢٨