سورة آل عمران
الجزء آل عمران · صفحة ٠﴿ لَتُبْلُوَنَّ ﴾ أيها المؤمنون ، قيل والنبى ﴿ فِى أَمْوَالِكُمْ ﴾ والله لتعاملن معاملة المختبر فى أموالكم ، بإيجاب الإنفاق منها ، وإيجاب الصبر على الآفات فيها واقتصر بعض على هذا وضعفوه ، وربما تقوى بأن الواجب فى الأموال قد نزل وقبلوه ، وليس مستقبلا نزوله ﴿ وَأَنفُسِكُمْ ﴾ بإيجاب الجهاد والصبر على موتاكم ، والآية والأسر ، والمرض ، والجوع ، والتعب ، والهموم ، والصبر على موتاكم ، والآية تسلية عما يأتى ليقابلوه بحسن الصبر بعد تسلية عما مضى ، لأن هجوم البلاء مما يزيد فى اللأواء ، والاستعداد للكرب مما يهون الخطب ، وقدم الأموال ترقيا من الشريف إلى الأشرف ، ولأن الآفات فيها أكثر ﴿ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَيْلِكُمْ ﴾ اليهود والنصارى والصائبين ﴿ وَمنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ﴾ كفار قريش وغيرهم من العرب ﴿ أَذىً كَثِيراً ﴾ كهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم والطعن فى دينه ، وإغراء الكفرة على المسلمين ، والتشبب بنسائهم ، أخبرهم الله بأنه سيكون ذلك ليستعدوا له بالصبر ، ويسهل عليهم بعض سهولة ﴿ وَإن تَصْبِرُوا ﴾ على ما ذكر من البلاء فى أموالكم وأنفسكم والأذى ﴿ وَتَتَّقُوا ﴾ مخالفه أمر الله ونهيه أثابكم الله ما لا غاية له أو أحسنتم أو أصبتم ﴿ فَإِنَّ ذَلِكَ ﴾ أى لأن ذلك المذكور من الصبر والاتقاء ولابعد لعلو درجة الصبر والاتقاء أو لعدم ذكر المشار إليه تصريحا وأفرد الكاف لخطاب من يصلح ، أو للعموم البدلى بعد الشمولى ، أو للنبى صلى الله عليه وسلم خصوصا بعد العموم ، وإما أن يقال أفرد لأن المراد بالخطاب مجرد التنبيه فلا وجه له لبقاء الخطاب بلا مخاطب ﴿ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ ﴾ أى من معزومات الأمور ، والعزم مصدر بمعنى اسم مفعول ، أى من الأمور المعزوم عليها ، أى التى يجب العزم عليها ، والعازم العبد أى يجب أن يقصدها ويصمم عليها ، أو الله ، أى أوجبها الله عليكم إيجابا شديدا ، يجوز أن يقال عزم الله على كذا ، وعزم كذا بمعنى أوجبه ، ومن ذلك قولهم عزمات الله وقراءة بعض ، فإذا عزمت فتوكل على الله بضم التاء ، وأما قول أم عطية نهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا ، ورواية ، رغبنا فى قيام رمضان من غير عزيمة ، فلا دليل فيهم لإمكان العزم منه صلى الله عليه وسلم والصبر والاتقاء واجبان قبل نزول القتال وبعده ، فالقتال واجب مع الصبر والاتقاء فلا نسخ فى الآية ، بل أمره الله بالصبر على أذاهم بالقول والفعل والطعن ومداراتهم وتحريفهم عن تأويلهم الفاسد ، والصبر على قتالهم ، ومشاق القتال ، ركب صلى الله عليه وسلم وأردف أسامة خلفه على دابة فوقها قطيفة فدكيه ليعود سعد بن عبادة فى بنى الحارث ابن الخزرج ، فمر بمجلس فيه عبد الله بن أُبى ، وفيه اليهود ، والمشركون ، والمسلمون ، وغشيهم عجاجة الدابة فخمر أنفه ، فقال : لا تغبّروا علينا ، فنزل صلى الله عليه وسلم فوعظهم ، ودعاهم إلى الله سبحانه ، وقرأ القرآن ، فقال ابن أُبى : أيها المرء لا أحسن مما تقول ، إن كان حقَّا فلا تؤذنا فى مجالسنا ، ارجع إلى رجلك فمن نحب ذلك ، فكاد القتال يقع ، واشتد النساب ، فما زال صلى الله عليه وسلم يسكتهم حتى سكتوا فلما دخل على سعد رضى الله عنه ذكر ذلك له ، فقال يا رسول الله اعف عنه ، جئنا ، وقد اصطلحوا أن يتوجوه ويعصبوه ، فزال ذلك بما جئتنا به ، فعفا عنه ، وكان كعب بن الأشرف اليهودى يهجو المؤمنين ، ويتشبب بنسائهم ، ويكفر به صلى الله عليه وسلم هو واليهود والمشركون ، ويشتد أذاه ، فقال صلى الله عليه وسلم : من بابن الأشرف؟ فقال محمد بن سلمة : أنا يا رسول الله ، فخرج هو وأبو نائلة رضيعه ، وجماعته فجاءوا برأسه آخر الليل ، وهو يصلى ، ونزلت الآية فى ذلك كله .