یُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ثُمَّ یَعۡرُجُ إِلَیۡهِ فِی یَوۡمࣲ كَانَ مِقۡدَارُهُۥۤ أَلۡفَ سَنَةࣲ مِّمَّا تَعُدُّونَ٥
الرسم الإملائيّ
يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ
الجزء ٢١الربع ١٦٥ صفحة ٤١٥
تفسيرها
﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْض﴾
يدبر أمر الدنيا بأسباب سماوية كالملائكة وغيرها، نازلة آثارها إلى الأرض، ﴿ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ يصعد إليه، ويثبت في عمله موجودا، ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5)﴾ قيل: في برهة من الزمان متطاولة، يعني بذلك استطالة ما بين التدبير والوقوع؛ وقيل: يدبر الأمر بإظهاره في اللوح، فينزل به الملك، ثم يعرج إليه في زمان هو كألف سنة، لان مسافة نزوله وعروجه مسيرة ألف سنة، لانه قيل : ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة؛ وقيل: يقضي قضاء ألف سنة فينزل به الملك، ثم يعرج بعد الألف لألف آخر؛ وقيل: يدبر الأمر إلى قيام الساعة، ثم يعرج إليه الأمر كله يوم القيامة؛ وقيل: يدبر المأمور به من الطاعات منزلا من السماء إلى الأرض بالوحي، ثم لا يعرج إليه خالصاً كما يرتضيه إلا في مدة متطاولة لقلة المخلصين والأعمال الخلص؛ ولم يبن لنا معنى هذا القول، وإنما رسمناه كما وجدناه.
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٠٨
قوله : ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَآءِ إِلَى الأَرْضِ ﴾ والأمر هو الوحي ، أي : ينزله مع جبريل من السماء إلى الأرض ﴿ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ ﴾ أي : يصعد ، يعني جبريل إلى السماء ﴿ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ ﴾ يقول : ينزل ويصعد في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدّون .
قال بعضهم : إن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة سنة ، فينزل مسيرة خمسمائ سنة ، ويصعد مسيرة خمسمائة سنة في يوم ، وفي أقل من يوم . وربما يسأل النبي عليه السلام عن الأمر يحضره فينزل في أسرع من الطرف .
قال : ﴿ ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾ وهذا تبع للكلام الأول : ﴿ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ثم أخبر بقدرته فقال : ﴿ عَالِمُ الغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾ ﴿ العَزِيزُ الرَّحِيمُ ﴾ .
يعني نفسه . والغيب : السرّ ، والشهادة : العلانية . والعزيز أي : في نقمته ، الرحيم ، أي : بخلقه .
ذكروا عن سلمان الفارسي قال : إن الله خلق يوم خلق السماوات و الأرض مائة رحمة ، كل رحمة منها طباقها السماء والأرض ، فأنزل الله منها رحمة واحدة ، فبها تتراحم الخليقة ، حتى ترحم البهيمة بهيمتها ، والوالدة ولدها ، حتى إذا كان يوم القيامة جاء بتلك التسع والتسعين رحمة ، ونزع تلك الرحمة من قلوب الخليقة ، فأكملها مائة رحمة ، ثم نصبها بينه وبين خلقه ، فالخائب من خيب من تلك الرحمة .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٠٨
﴿ يدبِّر الأمر ﴾ امر الدنيا وشئونها ، اى يتقن الامور ، شبه الاتقان من اول بأحكام الانسان امرا بعد نظر فيه ، لان اصل التدبير النظر فى دابر الامر ، اى عاقبته ليجئ محمودا ، ففى يدبر استعارة تبغية ، او عبر بالسبب وهو النظر فى العاقبة عن المسبب ، وهو الاتقان ، ولو كان الله لا يوصف بذلك السبب ، ولتضمينه معنى الانزال عداه بمن الابتدائية وبالى فى قوله عز وجل : ﴿ من السَّماء الى الارض ﴾ وذلك التنزيل بأسباب ما ينتقل من السماء الى الارض ، ويوصف بالتحيز والانتقال كالملائكة عليهم السلام .
﴿ ثمَّ يعْرج ﴾ الامر ﴿ إليه ﴾ يثبت فى عمله تعالى ثبوتا كثبوت ما يعرج ، أى يصعد وذلك الثبوت مرافقة العلم القديم ، وقومنا يثبتون علما تنجيزيا مواقعنا للقديم ، يتعلق بالحوادث وقت حدوثها ، ويكفى ان نقول : علمه ازلى منسحب على الحوادث ، اذ لا يمكن ان نقول : غفل عنها ، ولا ان نقول : لا يعلمها حين وقعت ، او المراد يعرج الى صحف الملائكة ، بان يكتبوه فيها باذنه تعالى ، فيكون فيها كتابته ، او يصعد الملك به الى الله .
﴿ فى يَوم كان مقْداره ألف سنةٍ مما تعدُّون ﴾ نعت الف او سنة ، وتنازع يدبر ويعرج فى قوله : ﴿ فى يوم ﴾ وأعمل الثانى وأضمر للاول ، اى يدبر فيه اى فى يوم كان الخ ، وقيل المراد العروج فى يوم لا التدبير فى يوم فيتعلق بيعرج ، ولا يقدر ليدبر ، والمراد بالالف المدة الطويلة لا نفس الالف ، وقيل الالف نفسه ، وعلى كل حال خص لانه اقصى المراتب لا مرتبة بعده ، الا ما يتفرع عليه ، وذلك انه يقدم للشئ ما ينبنى عليه من اسباب او كتابة ، او نحو ذلك ، ثم يوحده بعد طول مدة ، فالارادة نوعان : قديمة عمت كل شئ بخصوصه ، وإرادة كالتوجه الى ايجاده ، ولا بأس بذلك ، الا ترى الى قوله تعالى : ﴿ انما قولنا لشئ اذا أردناه ﴾ وبين الارض ومحدب السماء خمسمائة عام ، وغلظها خمسمائة عام ، والملك يقطع ذلك فى زمان يسير ، وذلك تمثيل بانه لو فرض الى البشر لدبره فى الف سنة ، ولو عرج به لوصل بألف عام ، ولا فزمان التدبير والعروج يسير .
وقيل : المعنى يدبر امر الدنيا باظهاره ف اللوح المحفوظ ، فينزل الملك الموكل به من السماء الى الارض ، ثم يرجع الملك او الامر مع الملك اليه تعالى فى زمان كألف سنة للنزول والعروج ، وأريد به مقدار ما بين الارض ، ومحدودب السماء ذهابا ورجوعا ، فقيل من والى متعلقان بينزل محذوفا ، وقيل : هاء اليه للسماء ، ولانه قد يذكر كقوله تعالى : ﴿ السماء منفطر به ﴾ وقيل : المعنى يدبر للملائكة امر ألف سنة وهى يوم واحد ﴿ وان يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ﴾
واذا تمت ألقى اليهم مثلها ، وهكذا الى آخر الدنيا ، ويعرج اليه بصحف الملائكة كل يوم من ايامنا كان الى تمام الف ، ولا يضمن على هذا القول يدبر معنى ينزل ، والامر بمعنى الشأن ، ومن والى متعلقان بمحذوف حال من الامر ، والفعلان متنازعان .
وقيل : يدبر امر الدنيا من السماء الى الارض الى قيام الساعة ، ثم يرجع اليه ذلك الامر ليحكم فى يوم كألف سنة ، وهو يوم القيامة ، ومن والى متعلقان بمحذوف حال من الامر بمعنى الشأن ، وفى يوم متعلق بيعرج فقط ، وأجيز فى هذين القولين تعليق من والى بالامر لتضمنه معنى الفعل والترك ، واعترض ما ذكر من ان يوم القيامة الف سنة بقوله : ﴿ فى يوم كان مقداره خمسين الف سنة ﴾ فلا نقول الف سنة هنا يوم القيامة ، بل نقتصر على غيره اولى من ان تأول خمسين بخمسين موطنا ، كل موطن الف سنة ، او الخمسون بحسب الشدة لا العدة ، كما روى انه يكون على بعض الناس كألف سنة ، وعلى بعض كخمسين الف سنة ، وعلى بعض الناس كألف سنة ، وعلى بعض كخمسين الف سنة ، وعلى بعض كما بين الظهر والعصر ، وعلى بعض كصلاة مكتوبة ، وقيل خمسون الف سنة من الارض الى سدرة المنتهى ، وهى مقام جبريل يسير اليها ذلك العدد فى نحو لحظة .
وقيل : المعنى ينزل الوحى مع جبريل عليه السلام فى يوم كان مقداره الف سنة هبوطا وصعودا ، فالامر بمعنى الوحى ، كقوله تعالى : ﴿ يلقى الروح من أمره ﴾ والعروج عبارة عن خبر القبول ، والرد مع عروج جبريل ، والعروج والتدبير فى اليوم ، وهذا العروج الى العرش ، وقيل الامر المأمور به من العبادة ، والمعروج صعودها مخلصة بعد مدة طويلة بين مخلص له ، وليس المراد بالالف هذا العدد ، وقيل المعنى يدبر امر الشمس فى طلوعها وغروبها الى ان ترجع الى مطلعها مسيرة الف سنة فى اليوم والليل ، والآية من المتشابه .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٠٨