سورة الأحزاب · الآية ٣٧ من ٧٣

‹ السورة السابقة
وَإِذۡ تَقُولُ لِلَّذِیۤ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِ وَأَنۡعَمۡتَ عَلَیۡهِ أَمۡسِكۡ عَلَیۡكَ زَوۡجَكَ وَٱتَّقِ ٱللَّهَ وَتُخۡفِی فِی نَفۡسِكَ مَا ٱللَّهُ مُبۡدِیهِ وَتَخۡشَى ٱلنَّاسَ وَٱللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخۡشَىٰهُۖ فَلَمَّا قَضَىٰ زَیۡدࣱ مِّنۡهَا وَطَرࣰا زَوَّجۡنَٰكَهَا لِكَیۡ لَا یَكُونَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ حَرَجࣱ فِیۤ أَزۡوَٰجِ أَدۡعِیَاۤئِهِمۡ إِذَا قَضَوۡا۟ مِنۡهُنَّ وَطَرࣰاۚ وَكَانَ أَمۡرُ ٱللَّهِ مَفۡعُولࣰا٣٧
الرسم الإملائيّ

وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا

الجزء ٢٢الربع ١٦٩ صفحة ٤٢٣

تفسيرها

[سورة الأحزاب — آية 37]

﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ بتوفيقه للإسلام، وتوفيقك لعـتقه، ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ بما وفقك الله فيه، قيل هو زيد بن حارثة، ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ زينب،﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمرها، ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ هو نكاحها إن طلقها، أو إرادة طلاقها،﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ تعييرهم إياك به،﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ أوجب أن يخشى، وليست المعتابة على الإخفاء وحده فإنه حسن، بل على الإخفاء مخافة قالة الناس، وإظهار ما ينافي إضماره، فان الأولى به في أمثال ذلك ] أن [ يصمت ويفوض الامر الى ربه وهذا من أعمال الباطن.

﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ حاجة (لعله) طلقها كرامة للنبي، فزوجها الله بنبيه، كما قال: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾بالنكاح وطلقوهن، أو ماتوا عنهن ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (37)﴾ أمره الذي يريده مكونا لا محالة.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٧٠

[سورة الأحزاب — آية 37]

قوله : ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ ﴾ يعني زيداً ﴿ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ الله ﴾ قال الله للنبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ ﴾ أي : مظهره ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ وَالله أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ ﴾ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يطلّقها زيد من غير أن يأمره بطلاقها ، فيتزوّجها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وقال الكلبي : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى زيداً فأبصر قائمة فأعجبته ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سبحان الله مقلِّب القلوب . فرأى زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هَوِيَها ، فقال : يا رسول الله ، ائذن لِي في طلاقها ، فإن فيها كبراً ، وإنها لتؤذيني بلسانها ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : « اتَّق الله وأمسك عليك زوجك . » فأمسكها زيد ما شاء الله ، ثم طلّقها . فلما انقضت عدتها أنزل الله نكاحَها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم من السماء ، فقال : ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِّلذِي أَنْعَمَ الله عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ . . . ﴾ إلى قوله : ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا ﴾ . فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك زيداً فقال : « ائتِ زينبَ وأخبرها أن الله زوَجنيها » .

فانطلق زيد فاستفتح الباب ، فقيل : من هذا؟ قال : زيد . فقالت : وما حاجة زيد إليّ وقد طلّقني . فقال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلني . فقالت : مرحباً برسول رسول الله ، ففُتِح له ، فدخل عليها وهي تبكي . فقال زيد : لا تبكي ، لا يُبك الله عينيك ، قد كنتِ نعمت المرأة ، أو قال : نعمت الزوجة ، إن كنت لَتَبَرِّينَ قَسَمي ، وتطيعين أمري ، وتبتغين مسرّتي ، فقد أبدلكِ الله خيراً منّي . فقالت : من؟ لا أبالك . فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم . فخرّت ساجدةً .

قوله : ﴿ وَتَخْشَى النَّاسَ ﴾ أي : وتخشى عيب الناس ، أي : يعيبوا ما صنعت . قوله : ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَراً ﴾ والوطر : الحاجة ﴿ زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لاَ يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ ﴾ أي : إثم ﴿ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَآئِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً ﴾ . فقال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : يا محمد ، زعمت أن حليلة الابن لا تحلّ للأب ، وقد تزوّجت حليلة ابنك زيد . فقال الله : ﴿ لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ ﴾ أي : إثم ، في أزواج أدعيائهم ، أي : إن زيداً كان دعياً ، ولم يكن بابن محمد . قال الله : ﴿ مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ﴾ [ الأحزاب : 40 ] .

قال : ﴿ وَكَانَ أَمْرُ الله مَفْعُولاً ﴾ .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٧٠

[سورة الأحزاب — آية 37]

﴿ وإذْ تقُولُ ﴾ اذكر اذ تقول ﴿ للَّذى أنْعَم الله عَليه ﴾ بالاسلام زيد بن حارثة ﴿ وأنْعَمت عليْه ﴾ بالاعتاق وحسن التربية ، والتبنى والتعليم ، رضى الله عنه ، وذكره بهذه الاوصاف لبيان منافاة حاله ، لإظهاره صلى الله عليه وسلم خلاف ما اضمر ، لكن على وجه جائز ، وذلك انه إنعامه على زيد لا يستحى من تزوج زوجه زينب ، ولا سيما وقد كرها زيد بعد تزوجه بها للسانها ، او كرها ليتمتع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس فى غيظ منه ، اذ تزوج زوج متبناه .

﴿ أمْسِك عَليْك زَوْجَك ﴾ عداه بعلى لتضمن معنى احبس ، اى احبس على نفسك ، وهذا مما عمل فيه عامل فى ضميرين لمسمى واحد ، وهو جائز فى كل فعل ، لان احدهما بحرف جر وهو كثير فى القرآن لكون احدهما بحرف جر ، وغلط من قال بخلاف ذلك ، وتأول زوجه زينب بنت جحش تستعلى عليه بنسبها ، وتضره بلسانها ، فقال : يا رسول الله اشتد علىَّ لسان زينب ، واستعلائها علىّ بشرفها ، وأردت طلاقها ، فقال صلى الله عليه وسلم : « امسك عليك زوجك » ﴿ واتق الله ﴾ فى حقها ، واصبر لها ﴿ وتُخْفى فى نفْسِك ما الله مُبديه ﴾ مظهره ، والعطف على تقول ، والذى يخفيه والله يبديه ، انه اوحى الله تعالى اليه ان زيداً سيطلقها وتتزوجها .

وقال قتادة : انه صلى الله عليه وسلم يخفى ارادة طلاقها ، وقيل : ارادة نكاحها ، وقيل : اخفى نكاحها لو طلقها زيد ، وحبه مجرد خطور بباله صلى الله عليه وسلم ، وليس ذلك رغبة فى زهرة الدنيا ، بل من الامر الذى طبع عليه البشر ، ولا سيما ان ذلك بعد العلم بان زيدا يريد فراقها ، وقيل : أتى صلى الله عليه وسلم بيتها فرآها تسحق طيباً بفهر ، فقال : « سبحان الله خالق النور تبارك الله احسن الخالقين » وقيل : اتى زيدا لحاجة ، فأبصر زينب فى درع وخمار ، وكانت بيضاء جميلة ، ذات خلق من أتم نساء قريش ، فاعجبته ، فقال : « سبحان الله مقلب القلوب » وسمعته فأخبرت زيدا حين جاء ، ولا بأس بنظر الفجأة ، وقيل : جاء الى زيد فلم يجده فى بيته ، فعرضت عليه الدخول فلم يدخل ، وسمعته يقول : « سبحان الله العظيم سبحان مصرف القلوب » فأخبرته بما قال صلى الله عليه وسلم ، فجاءة فقال : هلا دخلت يا رسول الله ، لعلها اعجبتك فأطلقها لتتزوجها ، فقال « أمسك » وقال لها : أطلقك ليتزوجك؟ فقالت اخشى ان تطلقنى ولا يتزوجنى ، وانكر العلماء القولين جداً ولا ارى فيها بأسا ، لان ذلك بامر الله تعالى ولان الانصار يطلقون بعض نسائهم ليتزوجهن المهاجرون ، ويجوز الان مثل ما فعلوا ، وانما المحرم ان يطلب الرجل ذات زوج فترضى .

﴿ وتَخْشى النَّاس ﴾ مطلقا المنافقين وغيرهم لأكل فرد خاف ان يقولوا تزوج امرأة ابنه ، او يقولوا امره بطلاقها ليزوجها ، عاتبه الله على قوله : ﴿ أمسك ﴾ الخ مع علمه بقوله تعالى : ستكون من ازواجك ، فكان الاولى ان يسكت ، او يقول له : نعم ان شئت فطلقها ، وكان الواجب المبادرة عند بعض ، والامر كذلك على الوجه الجائز ، ولا سيما ان لم يبادر بعد طلاقها وعدتها ، ففيه عتاب ، اذ اراد الله ان يتزوجها لينسخ تحريم زوج المتبنى بناء على انه قد كان تزوجها حراما ، وقيل : لم يكن حراما ، والعطف على تقول ﴿ والله ﴾ وحده ﴿ أحقٌ أن تخشاه ﴾ حال من ضمير تخشى ، قال عمرو بن مسعود ، وعائشة : لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكتم شيئاً من الوحى لكتم هذه الآية ، وكانت النساء لا يحتجبن ، ولم يزل صلى الله عليه وسلم يراها لا رؤية تشه .

﴿ فلمَّا قَضَى زيدٌ منْها وطراً ﴾ حاجة مهمة ، وهى ما قضى من صحبتها وجماعها ، ولم يبق له ميل اليها ، وفى الكلام حذف هكذا : وطراً وطلقها ، واعتدت وقيل : قضاء الوطر التطايق ، وكان التطليق حاجة قصدها واحبها لشدة لسانها ، فيقدر ، واعتدت بعد قوله : ﴿ زوجناكها ﴾ اى زوجناكها بعد العدة ، وقد قيل : بعد مرور النبى بها لم يستطع زيد من نفسه سبيلاً اليها ، وقالت : ما كنت امتنع منه ، ولكن الله منعنى منه ، وروى انه لم يتمكن من الاستمتاع منها ويريد القرب ، فيتعطل من نفسه .

﴿ زوّجناكها ﴾ من عندنا بلا ولى ولا شهود ولا عقد ولا صداق ، وكانت تفتخر على سائر ازواجه صلى الله عليه وسلم بأنكن زوجكن أولياؤكن ، وأنا زوجنى ربى ، وان جدى وجده واحد ، والسفير جبريل بين الله عز وجل وبينه صلى الله عليه وسلم ، وأما من الناس فقيل : لما انقضت عدتها امر أنساً ان يذكره عندها انه صلى الله عليه وسلم يذكرك ، فقالت : أو أمر فقامت لمسجدها ، ونزل القرآن فدخل عليها بلا اذن وهى منكشفة الرأس فقالت : هذا من الله بلا خطبة ولا شهادة ، فقال : ( الله تعالى المزوج وجبريل الشاهد ) وهذا نفس ما تقدم ، فانه ارسل أنساً تمهيداً لتزويج الله الموحى اليه بالوعد ، وبعد ارساله أنساً انجز الله الوعد ، وذلك هو الصحيح ، وقيل : معنى زوجناك بمعنى أمرناك بتزوجها ، فتزوجها بلا ولى ولا شهود ولا صداق .

وقيل : لما انقضت عدتها امر زوجها زيداً ان يقول لها قد ذكرك رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله ففعل ، وما كاد ينظر اليها اجلالاً له صلى الله عليه وسلم اذ خطبها ، ولما قال لها ذلك قالت : او امر ربى على حد ما مر آنفا ، ولما تزوجها أولم بشاه وخبز واكل الناس وافضلوا .

﴿ لكيْلا يَكُون على المُؤمنين حرجٌ ﴾ ضيق بتحريم زوج المتبنى ، او إثم او كلاهما بناء على جواز استعمال الكلمة فى معنييها مطلقا او فى السلب والبسط فى اصول الفقه ﴿ فى أزْوَاج ﴾ فى تزوج أزواج ﴿ أدْعيائهم إذا قَضَوا منهنَّ وطراً ﴾ تمت حاجتهم منهن وطلقوهن ، او قضاء الوطر الطلاق ﴿ وكان أمْر الله ﴾ ما أراده عن وقوع او عدم ﴿ مفْعولا ﴾ لا محالة .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٧٠