ٱلنَّبِیُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِینَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥۤ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُو۟لُوا۟ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضࣲ فِی كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُهَٰجِرِینَ إِلَّاۤ أَن تَفۡعَلُوۤا۟ إِلَىٰۤ أَوۡلِیَاۤئِكُم مَّعۡرُوفࣰاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِی ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورࣰا٦
الرسم الإملائيّ
النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا
الجزء ٢١الربع ١٦٧ صفحة ٤١٨
تفسيرها
﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ في الامور كلها، فانه لا يأمرهم ولا يرضى منهم الا بما فيه خلاصهم ونجاتهم بخلاف النفس، ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾منزلات منزلتهن في التحريم واستحقاق التعظيم، باختيارهن الإيمان بعد التخيير، ولذلك صرن أمهات المؤمنين، ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ وذوو القربات ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ في التوارث، وهو نسخ لما كان في صدر الإسلام من التوارث ]بالهجرة والمولاة في الدين[،﴿فِي كِتَابِ اللَّه﴾ في اللوح، أو فيمـا انزل، ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِين﴾َ أي: أولو الأرحام بحق القرابة أولى بالميراث من المؤمنين بحق الدين،﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ﴾ (لعله) في الدين ﴿مَعْرُوفًا﴾لكن ان وصلتموهم بشئ من الثلث والإحسان إليهم بالمال والنفس في الحياة﴿كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (6)﴾ .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٣٩
قوله : ﴿ النَّبِيُّ أوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ ﴾ . قال مجاهد : هو أبوهم ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ ﴾ [ أي : في التحريم مثل أمهاتهم : ذكروا عن مسروق عن عائشة أن امرأة قالت لها : يا أُمَّهْ . فقالت : لست لك بأم ، إنما أنا أُمُّ رجالكم ] .
قال : ﴿ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ في كِتَابِ الله مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ ﴾ . وقد كان نزل قبل هذه الآية في سورة الأنفال : ﴿ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُم مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾ [ الأنفال : 72 ] فتوارث المسلمون بالهجرة . وكان الأعرابي المسلم لا يرث من قريبه المهاجر المسلم شيئاً فنسختها هذه الآية : ﴿ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ ﴾ ، فخلط الله المؤمنين بعضهم ببعض فصارت المواريث بالملل .
ذكروا عن أبي أمامة الباهلي قال : لا يتوارث أهل ملتين شتى .
ذكروا عن أسامة بن زيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : « لا يرث الكافر المسلم ، ولا المسلم الكافر » .
ذكروا عن الزهري أن أبا طالب مات وترك طالباً وجعفراً وعليّاً وعقيلاً فورثه طالب وعقيل ، ولم يرثه جعفر ولا علي .
قال : ﴿ إِلاَّ أَن تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَآئِكُم ﴾ أي : إلى قراباتكم من أهل الشرك ﴿ مَّعْرُوفاً ﴾ يعني بالمعروف الوصية . قال بعضهم : جازت لهم الوصيّة ولا ميراث لهم .
ثم رجع إلى قوله : ﴿ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ الله مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ ﴾ فقال : ﴿ كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُوراً ﴾ أي : مكتوباً ، أي : لا يرث كافر مسلماً . وقد قال عليه السلام : « لا يرث المسلم الكافر » .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٣٩
﴿ النَّبى أولى ﴾ احق ﴿ بالمؤمنين ﴾ من الصحابة ومن بعدهم ومن قبلهم من الامم من الاناث والذكور ﴿ من أنفسهم ﴾ يطعمونه او يسقونه ويموتون جوعا او عطشا ، ويعدونه بهلاك نفوسهم ، وينصرونه بما يلحقهم به ضر ، وقبل نصر انفسهم لانه يدعوهم الى ما هو حق من الله عز وجل ، وصلاح لهم دنيا واخرى ، وأجسادهم فيها نفوس تأمرهم بالسوء ، وما يهلكهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من مؤمن الا وانا اولى به فى الدنيا والاخرة اقرءوا ان شئتم ﴿ النبى أولى بالمؤمنين من انفسهم ﴾ فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا او ان ترك دينا او ضياعا اى عيالا فلياتى فانا مولاه » وخص العصبة بالذكر لانه لو ورثه رسول الله صلى الله عليه وسلم لورثه بالتعصب .
روى انه صلى الله عليه وسلم امر بالخروج الى تبوك فقال اناس : نستأذن آباءنا وامهاتنا ، فنزلت الآية ، وقد دخل آباءهم وأمهاتهم فى المؤمنين وفى انفسهم ، ولا دليل ولا تبادر على ان المراد بالانفس النبى كما قيل انه المراد ، وان المعنى انه احق بهم اكثر مما هو احق بنفسه ﴿ وأزواجُه امهاتهم ﴾ كأمهاتهم فى تحريم النكاح ، وفى استحقاق التعظيم لا فى الخلوة بهن ، والنظر اليهن ، وأرثهن ونحو ذلك ، فهن كالاجنبيات ، فلا يقال لأخواتهن خالات المؤمنين ، ولا لأخوالهن اخوال المؤمنين الاصح .
وزعم بعض انه يجوز النظر اليهن بلا شهوة ، ولا يصح ما يروى عن جابر بن زيد انه خلا بعائشة رضى الله عنها ، او لم يخل بها ، وانه سألها حاشاها وحاشاه ، عن كل ما بدا له ، حتى سألها عن كيفية جماع النبى صلى الله عليه وسلم ، كيف يجسر على ذلك ، وكيف ترضى له هذا السؤال ولم تنهره عنه ، وكيف تجيبه مع نهيه صلى الله عليه وسلم عن ان يصف الرجل او المرأة ما فعل احدهما مع الاخر فى الجماع ، وان قيل : سألها عن جماعه هكذا لا بقيد انه معها فجسارة ايضا حاشاه عنها : مع ان ما تخبر به اما عنها فهو ما تقدم ، واما مع غيرها فانها لا تراه مع غيرها ولا يخبرانها ، وان قيل عن الجماع ما اوصى به فلم يثبت انه اوصى بكيفية . وان اوصى فذلك منه رضى الله عنه جسارة حاشاه عنها ، وقد روى مثل ذلك واعظم عن غير جابر ابن زيد فى كتب قومنا ، وليس منه ان الصحابة اختلفوا ، هل يجب الغسل بالوطء بلا انزال فسألوها؟ فقالت : فعل ذلك بى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقمنا واغتسلنا معا بلا انزال ، لان هذا امر سهل ، لانه تبليغ شرع ولا بيان كيفية ، فهو واجب .
وعل كل حال لم تجبه ببيان ما يفعل معها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووالله ما اجابته ان شاء الله تعالى ، ولو قال لها ما السنة؟ واخبرته بدون ان تقول فعلته معه لجاز مع كراهة لان بيان ذلك قد يحصل من امراة سألها فتجيبها ، بان السنة كذا ، فتخبر الامراة جابرا مثلا .
وروى ان امراة قالت لها : يا اماه ، فقالت : انا ام الرجال لا النساء ، رواه الطبرانى ، وغيره قلت : لعل مرادها انا ام الرجال فى تحريم تزوجها ، والمراة لا تتزوج اخرى فهى امهن ايضا فى التعظيم ، ويدل له ما روى عن ام سلمة رضى الله عنها قالت : انا ام الرجال منكم والنساء ، وحكم الاية جار على من طلقها ، وقيل لا كالتى ارادها ، فقالت : اعوذ بالله منك ، ولم تقصد سوءاً ، ولكن غرها احد بان تقول ذلك فطلقها ، وكالتى راى فى كشحها برصا وطلقها ، وقيل لا تجرى الآية الا على المدخول بها ، تزوج الاشعث تلك المستعيذة ، فهم عمر برجمهما فقالا : انه لم يدخل صلى الله عليه وسلم بها ، وقالت ايضا : ما سميت اما اذ لم يدخل فتركها .
واختاف فيمن اختارت نفسها قلت : الظاهر انه لا احترام لها لتركها اياه ، ولو على القول بتحريم تزوجها ، وزعم الشيعة انه صلى الله عليه وسلم امر عليا ان يطلق من شاء منهن بعد موته ، وانه طلق عائشة يوم الجمل ، وذلك كذب عليه صلى الله عليه وسلم ، وعن على : ويجوز نكاح ازواج الانبياء قبله ، وعن مجاهد كل نبى اب لامته لانه سبب الحياة الابدية ، كما قال لوط فى نساء امته : ﴿ هؤلاء بناتى ﴾ فى احد اوجه القراءة : وفى مصحف ابى : ﴿ وأزواجه امهاتهم ﴾ وهو اب لهم ، وعن عكرمة فى النسخة الاولى : ( وازواجه امهاتهم وهو ابوهم ) ويلزم من الابوة اخوة المؤمنين والمؤمنات .
﴿ وأولوا الأرحام ﴾ أصحاب الارحام ﴿ بعضُهُم أولى ببعْضٍ ﴾ فى النفع مطلقا ، وفى الارث على الترتيب ، فالعصبة تقدم وهم من ذوى الارحام ، اى القرابة وبعدهم ذوو الارحام الذين ليسوا عصبة ، كالخالة وبنت البنت ﴿ فى كتاب الله ﴾ بأولى ، او حال من الضمير فى اولى ، وكتاب الله اللوح المحفوظ ، او قضاءه سبحانه ، ومن لم يورث نحو الخال اذا لم يكن فارض او عاصب ، قال : كتاب الله القرآن ، والمراد آيات الارث فى سورة النساء ﴿ من المُؤمنين والمهاجرين ﴾ بيان لأولى الارحام ، وفيه مجئ الحال من المبتدأ ، ومن تفضيلية متعلقة بأولى ، وهذا أولى ، وكان التوارث بالهجرة والموالاة فى المدينة ، ونسخ بآخر الانفال او بهذه الآية .
﴿ إلا أنْ تفَعَلُوا الى أوليائكم ﴾ عدى بالى لتضمن معنى الايصال ﴿ معْروفاً ﴾ الا فعلكم الى اوليائكم معروفا ، والاستثناء منقطع ، والاولياء القرابة الذين لا يرثون : والمعروف ما يعطون فى الحياة ، وما يوصى اليهم لما بعد الموت ، وما قبل الا فى الارث والذين يرثون ، فيجوز الايصاء لمشرك قريب او اجنبى ، ولمن لم يهاجر ، ولمن تبناه ، فلهم ذلك بالايصاء لا بالارث ، وقيل الاولياء من يلونه بقرابة او صحبة ممن ليس بوارث ، لجواز الوصية للمشرك ، او الاعطاء له فى الحياة ، وذلك لا ينافى النهى عن اتخاذ الكفار اولياء ، وشمل ذلك من ليس بوارث من المؤمنين ، والمهاجرين والانصار .
وعن مجاهد : المراد من والى بينهم النبى صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والانصار ، وقيل : المراد اليهود والنصارى ، وقيل : القرابة من المشركين ، واجازت الامامية الوصية للمشرك ان كان أبا او اما او ولدا ، ويجوز ان يكون الاستثناء متصلا ، والمستثنى منه محذوف ، لجواز حذفه ولو فى غير التفريغ نحو : ﴿ وان كانت لكبيرة الا على الذين هدى الله ﴾ الا ان اعتبر فى الكبر معنى الامتناع ، فيكون التفريغ والتقدير اولو الارحام اولى بالارث ، وكل نفع فى الحياة الا فعل الخير بالوصية ، فيختص بغير الوارث .
﴿ كان ذلك ﴾ ما ذكر من دعائهم الى آبائهم ، وأولوية النبى صلى الله عليه وسلم من انفسهم او ما يستحق من اول السورة الى هنا ﴿ فى الكتاب ﴾ اللوح المحفوظ ، او القضاء او التوراة ﴿ مسطورا ﴾ مثبتا بالاسطار ، او مكتوبا فى الاسطار ، اى فى مواضع معتبرة بالامتداد والتعدد ، والتتابع يكتب فيها ويناسبها قراءة بعض ، كان ذلك عند الله مكتوبا ان لا يرث المشرك المؤمن .
افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٥٣٩