تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة الأحزاب

الجزء الأحزاب · صفحة ٠
[سورة الأحزاب — آية 6]

﴿ النَّبى أولى ﴾ احق ﴿ بالمؤمنين ﴾ من الصحابة ومن بعدهم ومن قبلهم من الامم من الاناث والذكور ﴿ من أنفسهم ﴾ يطعمونه او يسقونه ويموتون جوعا او عطشا ، ويعدونه بهلاك نفوسهم ، وينصرونه بما يلحقهم به ضر ، وقبل نصر انفسهم لانه يدعوهم الى ما هو حق من الله عز وجل ، وصلاح لهم دنيا واخرى ، وأجسادهم فيها نفوس تأمرهم بالسوء ، وما يهلكهم ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من مؤمن الا وانا اولى به فى الدنيا والاخرة اقرءوا ان شئتم ﴿ النبى أولى بالمؤمنين من انفسهم ﴾ فأيما مؤمن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا او ان ترك دينا او ضياعا اى عيالا فلياتى فانا مولاه » وخص العصبة بالذكر لانه لو ورثه رسول الله صلى الله عليه وسلم لورثه بالتعصب .

روى انه صلى الله عليه وسلم امر بالخروج الى تبوك فقال اناس : نستأذن آباءنا وامهاتنا ، فنزلت الآية ، وقد دخل آباءهم وأمهاتهم فى المؤمنين وفى انفسهم ، ولا دليل ولا تبادر على ان المراد بالانفس النبى كما قيل انه المراد ، وان المعنى انه احق بهم اكثر مما هو احق بنفسه ﴿ وأزواجُه امهاتهم ﴾ كأمهاتهم فى تحريم النكاح ، وفى استحقاق التعظيم لا فى الخلوة بهن ، والنظر اليهن ، وأرثهن ونحو ذلك ، فهن كالاجنبيات ، فلا يقال لأخواتهن خالات المؤمنين ، ولا لأخوالهن اخوال المؤمنين الاصح .

وزعم بعض انه يجوز النظر اليهن بلا شهوة ، ولا يصح ما يروى عن جابر بن زيد انه خلا بعائشة رضى الله عنها ، او لم يخل بها ، وانه سألها حاشاها وحاشاه ، عن كل ما بدا له ، حتى سألها عن كيفية جماع النبى صلى الله عليه وسلم ، كيف يجسر على ذلك ، وكيف ترضى له هذا السؤال ولم تنهره عنه ، وكيف تجيبه مع نهيه صلى الله عليه وسلم عن ان يصف الرجل او المرأة ما فعل احدهما مع الاخر فى الجماع ، وان قيل : سألها عن جماعه هكذا لا بقيد انه معها فجسارة ايضا حاشاه عنها : مع ان ما تخبر به اما عنها فهو ما تقدم ، واما مع غيرها فانها لا تراه مع غيرها ولا يخبرانها ، وان قيل عن الجماع ما اوصى به فلم يثبت انه اوصى بكيفية . وان اوصى فذلك منه رضى الله عنه جسارة حاشاه عنها ، وقد روى مثل ذلك واعظم عن غير جابر ابن زيد فى كتب قومنا ، وليس منه ان الصحابة اختلفوا ، هل يجب الغسل بالوطء بلا انزال فسألوها؟ فقالت : فعل ذلك بى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقمنا واغتسلنا معا بلا انزال ، لان هذا امر سهل ، لانه تبليغ شرع ولا بيان كيفية ، فهو واجب .

وعل كل حال لم تجبه ببيان ما يفعل معها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ووالله ما اجابته ان شاء الله تعالى ، ولو قال لها ما السنة؟ واخبرته بدون ان تقول فعلته معه لجاز مع كراهة لان بيان ذلك قد يحصل من امراة سألها فتجيبها ، بان السنة كذا ، فتخبر الامراة جابرا مثلا .

وروى ان امراة قالت لها : يا اماه ، فقالت : انا ام الرجال لا النساء ، رواه الطبرانى ، وغيره قلت : لعل مرادها انا ام الرجال فى تحريم تزوجها ، والمراة لا تتزوج اخرى فهى امهن ايضا فى التعظيم ، ويدل له ما روى عن ام سلمة رضى الله عنها قالت : انا ام الرجال منكم والنساء ، وحكم الاية جار على من طلقها ، وقيل لا كالتى ارادها ، فقالت : اعوذ بالله منك ، ولم تقصد سوءاً ، ولكن غرها احد بان تقول ذلك فطلقها ، وكالتى راى فى كشحها برصا وطلقها ، وقيل لا تجرى الآية الا على المدخول بها ، تزوج الاشعث تلك المستعيذة ، فهم عمر برجمهما فقالا : انه لم يدخل صلى الله عليه وسلم بها ، وقالت ايضا : ما سميت اما اذ لم يدخل فتركها .

واختاف فيمن اختارت نفسها قلت : الظاهر انه لا احترام لها لتركها اياه ، ولو على القول بتحريم تزوجها ، وزعم الشيعة انه صلى الله عليه وسلم امر عليا ان يطلق من شاء منهن بعد موته ، وانه طلق عائشة يوم الجمل ، وذلك كذب عليه صلى الله عليه وسلم ، وعن على : ويجوز نكاح ازواج الانبياء قبله ، وعن مجاهد كل نبى اب لامته لانه سبب الحياة الابدية ، كما قال لوط فى نساء امته : ﴿ هؤلاء بناتى ﴾ فى احد اوجه القراءة : وفى مصحف ابى : ﴿ وأزواجه امهاتهم ﴾ وهو اب لهم ، وعن عكرمة فى النسخة الاولى : ( وازواجه امهاتهم وهو ابوهم ) ويلزم من الابوة اخوة المؤمنين والمؤمنات .

﴿ وأولوا الأرحام ﴾ أصحاب الارحام ﴿ بعضُهُم أولى ببعْضٍ ﴾ فى النفع مطلقا ، وفى الارث على الترتيب ، فالعصبة تقدم وهم من ذوى الارحام ، اى القرابة وبعدهم ذوو الارحام الذين ليسوا عصبة ، كالخالة وبنت البنت ﴿ فى كتاب الله ﴾ بأولى ، او حال من الضمير فى اولى ، وكتاب الله اللوح المحفوظ ، او قضاءه سبحانه ، ومن لم يورث نحو الخال اذا لم يكن فارض او عاصب ، قال : كتاب الله القرآن ، والمراد آيات الارث فى سورة النساء ﴿ من المُؤمنين والمهاجرين ﴾ بيان لأولى الارحام ، وفيه مجئ الحال من المبتدأ ، ومن تفضيلية متعلقة بأولى ، وهذا أولى ، وكان التوارث بالهجرة والموالاة فى المدينة ، ونسخ بآخر الانفال او بهذه الآية .

﴿ إلا أنْ تفَعَلُوا الى أوليائكم ﴾ عدى بالى لتضمن معنى الايصال ﴿ معْروفاً ﴾ الا فعلكم الى اوليائكم معروفا ، والاستثناء منقطع ، والاولياء القرابة الذين لا يرثون : والمعروف ما يعطون فى الحياة ، وما يوصى اليهم لما بعد الموت ، وما قبل الا فى الارث والذين يرثون ، فيجوز الايصاء لمشرك قريب او اجنبى ، ولمن لم يهاجر ، ولمن تبناه ، فلهم ذلك بالايصاء لا بالارث ، وقيل الاولياء من يلونه بقرابة او صحبة ممن ليس بوارث ، لجواز الوصية للمشرك ، او الاعطاء له فى الحياة ، وذلك لا ينافى النهى عن اتخاذ الكفار اولياء ، وشمل ذلك من ليس بوارث من المؤمنين ، والمهاجرين والانصار .

وعن مجاهد : المراد من والى بينهم النبى صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والانصار ، وقيل : المراد اليهود والنصارى ، وقيل : القرابة من المشركين ، واجازت الامامية الوصية للمشرك ان كان أبا او اما او ولدا ، ويجوز ان يكون الاستثناء متصلا ، والمستثنى منه محذوف ، لجواز حذفه ولو فى غير التفريغ نحو : ﴿ وان كانت لكبيرة الا على الذين هدى الله ﴾ الا ان اعتبر فى الكبر معنى الامتناع ، فيكون التفريغ والتقدير اولو الارحام اولى بالارث ، وكل نفع فى الحياة الا فعل الخير بالوصية ، فيختص بغير الوارث .

﴿ كان ذلك ﴾ ما ذكر من دعائهم الى آبائهم ، وأولوية النبى صلى الله عليه وسلم من انفسهم او ما يستحق من اول السورة الى هنا ﴿ فى الكتاب ﴾ اللوح المحفوظ ، او القضاء او التوراة ﴿ مسطورا ﴾ مثبتا بالاسطار ، او مكتوبا فى الاسطار ، اى فى مواضع معتبرة بالامتداد والتعدد ، والتتابع يكتب فيها ويناسبها قراءة بعض ، كان ذلك عند الله مكتوبا ان لا يرث المشرك المؤمن .

٣٬٥٣٩ / ٦٬٢٣٦