[سورة الأحزاب — آية 58]
﴿ والَّذين يُوذون المؤمنين والمُؤمنات ﴾ فى قول أو فعل ﴿ يغَير ما اكْتسبُوا ﴾ بلا جناية اكتسبوها موجبة ، فإن المؤمن والمؤمنة قد يصدر منهما ما يوجب الإيذاء ، بخلاف الله ورسوله ، قال عمر رضى الله عنه ، لأبى بن كعب : يا أبا المنذر فى شأن قوله تعالى : ﴿ والذين يؤذون ﴾ الآية قرأت البارحة آية من كتاب الله تعالى فوقعت فى كل موقع ، يعنى لعله ضرب أو حد أو كلم بسوء من لا يتأهل لذلك عند الله ، بتقصير منه فقال : لست من أهلها ، وإنما أنت معلم ومقوم بحسب ما ظهر لك ، ولا يكلفك الله الغيب ، ويروى أنه قال : « والله إنى لاعاقبهم وأضربهم فقال : لست منهم » .
﴿ فقد احْتَملوا بهتاناً وإثْماً مبيناً ﴾ خبر الذين ، وقرن بالفاء تشبيهاً له باسم الشرط فى العموم المراد ، ولو كان سبب النزول مخصوصين ، فيدخلون أولا ، وهم الله بن أبى ، وناس معه ، قذفوا عائشة رضى الله عنها ، فخطب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : « من يعذرنى من رجل يؤذينى ويجمع فى بيته من يؤذينى » وقوم طعنوا فى أخذ النبى صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيى رضى الله عنها ، وزناة يتعرضون للاماء إذا خرجن ليلا لقضاء حاجة الانسان ، وربما تعرضوا للحرائر جهلا أو تجاهلا ، والمرجفون وعن مجاهد : ويلقى الجرب على أهل النار ، فيحكُّون حتى تبدو عظامهم ، فيقولون : يا ربنا بم أصابنا هذا؟ فقول : بإيذائكم المسلمين .
قالت عائشة رضى الله عنها : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : « أى الربا أربى عند الله؟ » قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : أربى الربا عند الله استحلال عرض امرىء مسلم ثم قرأ الآية « وفى الحديث القدسى : » من آذى لى ولياً فقد آذنته بحرب ، ومن أهان لى ولياً فقد بارزنى بالمحاربة « وقيل : نزلت الآية فى علىّ كانوا يؤذونه ويسمعونه ، وقيل فى عائشة وما قذفت به .
معنى : احتملوا تكلفوا فعل البهتان تكلفا شبيها بتكليف حمل الشىء الثقيل ، وذلك فى نفس الأمر ، وأما عندهم فسهل مشتهى ، البهتان كذب فظيع يبهت المكذوب عليه ، وقد قيل : نزلت فى من يتبع الإماء للزنى إذا خرجن ليلا لقضاء حاجة الانسان ، وربما وافقوا الحرائر فيمتنعن ويشكون الى أزواجهن ، فنهى الله الناس عن التطلع والايذاء ، وأمر النساء بالستر فقال :
﴿ يا أيُّها النبى قل لأزواجك وبناتك ونساء المُؤمنين يُدنين عليهنَّ من جلابيبهنَّ ﴾ معنى إدناء الجلباب تقريبه من رأسها وجسدها ، بحث يسترهن بحيث لا يبقى هواء ينكشفن عنه ، وعدى بعلى لتضمن معنى الإرخاء ، والجلباب ثوب يسترها من فوق لأسفل ، ويسمى الملحفة ، وقيل : المقنعة وهى لباس الرأس وما يليه ، وقيل : ثوب أوسع من الخمار ، ودون الرداء ، والحاصل الأمر بستر ما يبدو من أبدانهن ، أو من ثياب زينتهن .
قال ابن سيرين ، عن عبيدة السلمانى فى هذه الآية : تستر رأسها ووجهها كله إلا عينها اليسرى ، قال السدى : أو عينها اليمنى ، وهو رواية عن ابن عباس ، وفى أخرى عنه أو عينيها ، وذلك رد على ما فى بعض الكتب ، من أن ذلك فعل الفاسقات ، وأن غيرهن تستر الوجه كله ، ولعله أريد أن الفاسقات فى بلدة من البلدان ، ويفعلن ذلك ، ولم يرد التحريم .
وعن سعيد بن جبير : يرخين الثوب على الوجه كله ، وينظرون أسفل ، وما يبدوا من نساء الجاهلية إلا الوجه ، فأمر الله بستره أيضا ، وأنت خبير بأن الوجه ليس عورة ، قيل : مطلقا ، وقيل : إن لم تكن فيه زينة فليس مرادا بالآية ، إلا أن السنة ستره ، ويجوز النظر إليه بلا شهوة ، الفعل فى يدنين مجزوم المحل فى جواب الأمر ، ومفعول قل محذوف ، ومعناه اذكر أى لهن وجوب الستر يدنين ، أو يدنين اخبار ومعناه الأمر أى أدنين ، وجلابيب مفعول به ليدنى ، ومن صلة فى الإيجاب والمعرفة عند مجيز ذلك ، أو المفعول محذوف منعوت بمن جلابيهن ، أى شيئا من جلابيبهن وهو بعض من كل جلباب .
﴿ ذلك ﴾ الإدناء ﴿ أدنى ﴾ أقرب ﴿ أن يعرفن ﴾ ألى أن يعرفن فلا يقربهن أحد ، كما يقرب أجل الربية الإماء كما قال : ﴿ فَلا يُؤذَيْن ﴾ وذلك إزالة لبعض الشر ، وبعض الشر أهون من بعض ، ولا عذر لهم فى الإماء ، ونهوا عن الزنى ومقدماته مطلقا بالحرائر والإماء ، ويجوز بلا ترفع ولا رئاء أن يلبس العالم ما يميزه بدرّته إذا تشبهت بالحرة ، ورأى أمة مقنعة فضربها فقال : ألقى القناع لا تشبهى بالحرائر .
﴿ وكانَ غُفُوراً ﴾ لمن عصى وتاب ، أو عصى ولم يعتقد الإصرار ، وقد دان بالتوبة ، وذلك فى النظر ، وعدم التستر بعد نزول الآية ﴿ رَحيماً ﴾ للتائب والتائبة ، أو غفوراً رحيماً مطلقاً لمن تاب ، ودخل هؤلاء وغيرهم أو رحيما بعباده إذ رأى فى مصالحهم أمثال هذه الجزئيات والتوبة أربعة أقسام :
الأول : التوبة أن يتوب ويستقيم على العبادة ، ولا يحدث نفسه بالعود إلا ما لا ينفك عنه البشر الى أن مات ، ولو كان ذلك فى آخر عمره ، وصاحبها ذو النفس المطمئنة تبدل سيئته حسنات .
الثانى : أن يتوب ويستقيم على الطاعات ، وكلما فعل ذنبا تاب وتأسف ، ولام نفسه ، وعزم أن لا يعود ، وصاحبها ذو النفس اللوامة ، وفى الحديث : « المؤمن واه - أى ضعيف - بالذنوب رافع - أى بالتوبة » .
الثالث : أن يتوب ويستقيم على الطاعة ، إلا أن نفسه تغلبه فى بعض الذنوب ، يستمر عليه ويندم إذا فعله ، ولا يقهر نفسه بالعزم على عدم العود ، وهو يطمع فى التوبة .
الرابع : أن يتوب ويستقيم ثم يذنب ، ولا يحدث نفسه بالتوبة الى الموت .