تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة سبأ

الجزء سبأ · صفحة ٠
[سورة سبأ — آية 11]

﴿ أن اعْمَل سابغات ﴾ دروعا سابغات ، أى واسعات ، وادعى بعض المحققين أن السابغات اسم لتلك الدروع بلا تقدير موصوف ، وأن مفسرة لقوله : ﴿ ألنَّا ﴾ لتضمنه معنى القول دون حروفه ، كقولك : وضعت لزيد الطعام أن كل ، لما كانت الإلانة ظاهرة له عيه السلام فى عمل السلاح ، وهو فى معرض القتال ، والله حكيم صار بمنزلة قلنا له : اعمل لا مصدرية ، إذ لا خارج للأمر يؤخذ منه المصدر ، ولو قالوا ما قالوا ، والاعتذار عن الذنب أشد من الذنب .

﴿ وقَدَّر ﴾ وسط واقتصد ﴿ فى السَّرد ﴾ نسج الحديد بعض ببعض ، استعارة من نسج الثوب ، وقيل اتباع شىء بمثله من جنسه ، وأنه حقيقة أى اجعل حلق الدروع متناسبة على مقدار معين دقة أو غلظة ، أو متناسبة بين الضيق وغيره ، لئلا ينال السلاح من الواسعة ، ولا تثقل شدة الضيق وكانت الدرع قبل داود صفائح ، وقيل : معنى تقدير السرد عدم صرف أوقاته فى عمل الدروع ، بل مقدار القوت ، وما فضل عن القوت ، فاعمل فيه العبادة ، وقيل لا تجعل مسامير حلق الدرع رقاقا فتفلت ، ولا غلاظا فتكسر الحلق .

وكان يسأل الناسر متنكرا عن حال داود ليجتنب ما يعاب ، فيثنون خيرا ، فأرسل الله اليه ملكا فسأله فقال : نعم العبد لولا أنه يأكل من بيت المال لا من كسبه ، فسأل الله مكسباً ، فألان الله تعالى له الحديد يعمل الدرع فى بعض يوم ، أو بعض ليل ، وثمنها ألف درهم ، وقيل أربعة آلاف يصرف ثلث ثمنها فى مصالح الاسلام ، ويطعم المساكين ، ويروى أنه يبيع الدرع بستة آلاف درهم ، ألفان له ولأهله ، وأربعة آلاف يطعم بها بنى اسرائيل الخبز الحوارى ، ويروى يتصدق على الفقراء .

﴿ واعْملُوا صالحا ﴾ خطاب لداود وآله ، ولو لم يجر لهم ذكر لدلالة ذكره عليهم ، أو خطاب لهم كقوله تعالى : ﴿ واعملوا آل داود شكرا ﴾ أو خطاب له بصيغة الجماعة تعظيما ، والعطف على اعمل سابغات ، فالجملة داخلة فى التفسير ، وما للنبى من المنة منة لأمته ، ولو اختص بها عنهم ، والانه الحديد له تشير الى أن يعملوا صالحا ، إذ يجاهدون بالدروع ، والمراد بعمل الصالح عمل العبادات مطلقا لا خصوص عمل الدرع خالية عن عيب ، كما يقال فيخص بداود عليه السلام ﴿ إنِّى بما تَعْملون بَصيرٌ ﴾ فأجازيكم عليه ، وذلك تعليل للأمر فى قوله : ﴿ واعملوا صالحا ﴾ لا لوجوب الأمر ، كما قال بعض المحققين لأنه لم يخبرنا أن الأمر واجب .

٣٬٦١٧ / ٦٬٢٣٦