سورة يس · الآية ٢٠ من ٨٣

‹ السورة السابقة
وَجَاۤءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِینَةِ رَجُلࣱ یَسۡعَىٰ قَالَ یَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُوا۟ ٱلۡمُرۡسَلِینَ٢٠
الرسم الإملائيّ

وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ

الجزء ٢٢الربع ١٧٦ صفحة ٤٤١

تفسيرها

[سورة يس — آية 20]

}وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴿على النصح وتبليغ الرسالة ﴾وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21){ إلى خير الدارين، (لعله) وهذا سن سنة حسنة لجميع من دعا إلى طاعة،أو نهى عن معصية.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٧٢٥

[سورة يس — آية 20]

قوله : ﴿ وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا المَدِينَةِ ﴾ يعني أنطاكية ﴿ رَجُلٌ يَسْعَى ﴾ أي : يسرع؛ وهو حبيب النجار . ﴿ قَالَ يَاقَوْمِ اتِّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُم مُّهْتَدُونَ وَمَا لِيَ لآ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي ﴾ أي : خلقني ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ أي : يوم القيامة . ﴿ ءَأتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً ﴾ على الاستفهام ﴿ إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ ﴾ يعني الآلهة ﴿ شَيْئاً وَلاَ يُنقِذُونِ ﴾ من ضرر ﴿ إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾ يعني في خسران بيّن ﴿ إِنِّي ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ﴾ .

وتفسير مجاهد غير هذا . قال مجاهد : كان رجلاً من قوم يونس وكان به جذام فكان يطيف بآلهتهم يدعوها فلم تغن عنه شيئاً . فبينما هو يوماً كذلك إذ مرّ بجماعة فدنا منهم ، فإذا نبيّ الله يدعوهم إلى الهدى؛ وقد قتلوا قبله اثنين فدنا منه . فلما سمعَ كلام النبي قال له : يا عبد الله ، إن معي ذهباً فهل لك أن تأخذه مني وأتّبعك فتدعو الله أن يشفيني . قال له : اتّبعني ولا حاجة لي في ذهبك ، وأنا أدعو الله لك فيشفيك .

قال : فدعا الله ، فبَرأ . فقال : ﴿ قَالَ يَاقَوْمِ اتِّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْئَلُكُمْ أَجْراً ﴾ لما كان عرض عليه من الذهب فلم يقبله منه ، ﴿ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾ وما لي لا أعبد الذي فطرني ، أي : خلقني ﴿ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ أي : بعد الموت ﴿ ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً ﴾ أي : لما كان يدعو آلهتهم لما به من الجذام فلم تغن عنه شيئاً ﴿ وَلاَ يُنقِذُونِ ﴾ أي : من ضر . يعني الجذام الذي كان به . ﴿ إِنِّي إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ إِنِّي ءَامَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ ﴾ أي : فاسمعوا قولي ، أي : فاقبلوه . ودعاهم إلى الإِيمان . وليس هذا الحرف من تفسير مجاهد . فأخذه قومه فقتلوه .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٧٢٥

[سورة يس — آية 20]

﴿ وجاء مِن أَقْصَى المَدينَة ﴾ أنطاكية ، أى من أبعد موضع فيها ﴿ رجلٌ ﴾ عظيم عند الله قدرا ، لا اتصال له بالرسل ، قبل مجيئهم يتواطؤ لأجله معهم ، بل هداية من الله ولطف به ، وهو حبيب عند ابن عباس وكعب رضى الله عنهما ، وشهر بأنه حبيب النجار ، وقيل : رجل قصار ، وقيل : حراث وقيل : إسكاف ، وقيل : نحات للأصنام ، اى يعمل صورها بدون أن يعبدها ، والتصوير ولو للحيوان جائز فى تلك الأمم ، وإن كانت للعبادة فذلك قبل أن يؤمن ، ولعله جمع تلك الصفات كلها ، وروى أنه كان فى غار يعبد الله ، فنقول : هذا الغار فى أقصى المدينة ، وهذه العبادة بعد كفره ، إن سبق له كفر .

وعنه صلى الله عليه وسلم : « سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا قط طرفة عين : على بن أبى طالب ، وصاحب يس ، ومؤمن آل فرعون » وصاحب يس هو هذا ، ولا يقال يشكل على ذكر على أنه كان طفلا ذا ثانى سنين ، ودعاه النبى صلى الله عليه وسلم الى الإيمان ، فقال لأبى طالب : إن محمدا يدعونى؟ قال فأجبه ، لأنانقول لا كفر للطفل ، فهو مؤمن من قبل ، لكن ذكر لأبيه الدعوة ، أو هو ذاهل ، وقيل : كان أول الاسلام التكليف متعلقا بالتمييز ، والامام على حينئذ مميز .

وروى أن ها الرجل المذكور فى الآية كان مؤمنا بالنبى صلى الله عليه وسلم ، كتبع الأكبر ، وورقة قبل مبعثه ، كما يؤمن به كل من رآه فى التوراة أو الإنجيل أو غيرهما ، ويقال : كان مجذوما ، فمنزلة أقصى أبواب المدينة ، عبد الأصنام سبعين سنة ، فدعاه المرسلون فقال : هل من آية؟ قالوا : يشفيك الله تعالى ، قال : دعوت الأصنام سبعين سنة ولم تشفن فكيف يشفينى ربكم فى غدوة أو روحة؟ قالوا : عاجزة ، وربنا قادر ، فدعوا له فشفاه الله عز وجل ، فقام يكسب ويتصدق بنصف ما يكسب ، وينفق نصفا على نفسه وعياله .

ولعل معنى كونهم لم يكفروا قط ، أنهم لم يكفروا بعد الدعوة ، ونقول : أما الذى رواه فى قرب المدينة يرعى ، فدعوه ، فقال : هل من آية؟ فقالوا : نشفى المرضى ، ونبرىء الأكمه والأبرص ، فذهب بهم الى ابنه مريضا ومسحوا عليه ، وشفاه الله ، فهو غير هذا ، وان كان هو فمعنى إيمانه أنه أظهره ، وقدم من أقصى هنا مع فضل الرجل بالإيمان تفننا فى البلاغة ، ولأنه لو أخر لتوهم أنه متعلق يسعى فيفوت بيان أنه من أهل المدينة ، وتقديمه ظاهر فى أنه من اهلها ، ولو لم يكن نصا فيه ، ولبيان أن بعده لم يمنعه من الإيمان وكون رمته تعالى تسع القريب والبعيد ، أن بعده لم يمنعه من الإيمان وكون رحمته تعالى تسع القريب والبعيد ، ولذا عبر بالمدينة بعد التعبير بالقرية ، إذ صارت بانضمام الأطراف مدينة ، ولبيان أن انذراهم بلغ أقصى المدينة لاجتهادهم فى التبليغ بالإظهار .

﴿ يَسْعَى ﴾ يسرع برجليه ، أو بشدة قصد من قلبه ، ولا يخفى أن الأول أولى لأنه حقيقة لا مجاز ، مع أنه متضمن للمعنى المجازى أيضا لأن السعى بالمشى فى أمر انما يكون عن سعى القلب فيه .

﴿ قال يا قوم اتَّبعُوا المُرْسَلين ﴾ ذكرهم بالرسالة حثا على الإيمان ، إذ لم يقل : اتبعوا هؤلاء الرجال ، أو هؤلاء الذين جاءوكم ، كما أنه خاطبهم بقوم مضافا لنفسه اشارة الى أنه يحب لهم الخير لا الشر ، كما يحبه لنفسه وهو منهم ، وشرهم شر له ، وأنه ناصح لهم كما ينصح الإنسان بنفسه .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٧٢٥