تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

سورة يس

الجزء يس · صفحة ٠
[سورة يس — آية 20]

﴿ وجاء مِن أَقْصَى المَدينَة ﴾ أنطاكية ، أى من أبعد موضع فيها ﴿ رجلٌ ﴾ عظيم عند الله قدرا ، لا اتصال له بالرسل ، قبل مجيئهم يتواطؤ لأجله معهم ، بل هداية من الله ولطف به ، وهو حبيب عند ابن عباس وكعب رضى الله عنهما ، وشهر بأنه حبيب النجار ، وقيل : رجل قصار ، وقيل : حراث وقيل : إسكاف ، وقيل : نحات للأصنام ، اى يعمل صورها بدون أن يعبدها ، والتصوير ولو للحيوان جائز فى تلك الأمم ، وإن كانت للعبادة فذلك قبل أن يؤمن ، ولعله جمع تلك الصفات كلها ، وروى أنه كان فى غار يعبد الله ، فنقول : هذا الغار فى أقصى المدينة ، وهذه العبادة بعد كفره ، إن سبق له كفر .

وعنه صلى الله عليه وسلم : « سباق الأمم ثلاثة لم يكفروا قط طرفة عين : على بن أبى طالب ، وصاحب يس ، ومؤمن آل فرعون » وصاحب يس هو هذا ، ولا يقال يشكل على ذكر على أنه كان طفلا ذا ثانى سنين ، ودعاه النبى صلى الله عليه وسلم الى الإيمان ، فقال لأبى طالب : إن محمدا يدعونى؟ قال فأجبه ، لأنانقول لا كفر للطفل ، فهو مؤمن من قبل ، لكن ذكر لأبيه الدعوة ، أو هو ذاهل ، وقيل : كان أول الاسلام التكليف متعلقا بالتمييز ، والامام على حينئذ مميز .

وروى أن ها الرجل المذكور فى الآية كان مؤمنا بالنبى صلى الله عليه وسلم ، كتبع الأكبر ، وورقة قبل مبعثه ، كما يؤمن به كل من رآه فى التوراة أو الإنجيل أو غيرهما ، ويقال : كان مجذوما ، فمنزلة أقصى أبواب المدينة ، عبد الأصنام سبعين سنة ، فدعاه المرسلون فقال : هل من آية؟ قالوا : يشفيك الله تعالى ، قال : دعوت الأصنام سبعين سنة ولم تشفن فكيف يشفينى ربكم فى غدوة أو روحة؟ قالوا : عاجزة ، وربنا قادر ، فدعوا له فشفاه الله عز وجل ، فقام يكسب ويتصدق بنصف ما يكسب ، وينفق نصفا على نفسه وعياله .

ولعل معنى كونهم لم يكفروا قط ، أنهم لم يكفروا بعد الدعوة ، ونقول : أما الذى رواه فى قرب المدينة يرعى ، فدعوه ، فقال : هل من آية؟ فقالوا : نشفى المرضى ، ونبرىء الأكمه والأبرص ، فذهب بهم الى ابنه مريضا ومسحوا عليه ، وشفاه الله ، فهو غير هذا ، وان كان هو فمعنى إيمانه أنه أظهره ، وقدم من أقصى هنا مع فضل الرجل بالإيمان تفننا فى البلاغة ، ولأنه لو أخر لتوهم أنه متعلق يسعى فيفوت بيان أنه من أهل المدينة ، وتقديمه ظاهر فى أنه من اهلها ، ولو لم يكن نصا فيه ، ولبيان أن بعده لم يمنعه من الإيمان وكون رمته تعالى تسع القريب والبعيد ، أن بعده لم يمنعه من الإيمان وكون رحمته تعالى تسع القريب والبعيد ، ولذا عبر بالمدينة بعد التعبير بالقرية ، إذ صارت بانضمام الأطراف مدينة ، ولبيان أن انذراهم بلغ أقصى المدينة لاجتهادهم فى التبليغ بالإظهار .

﴿ يَسْعَى ﴾ يسرع برجليه ، أو بشدة قصد من قلبه ، ولا يخفى أن الأول أولى لأنه حقيقة لا مجاز ، مع أنه متضمن للمعنى المجازى أيضا لأن السعى بالمشى فى أمر انما يكون عن سعى القلب فيه .

﴿ قال يا قوم اتَّبعُوا المُرْسَلين ﴾ ذكرهم بالرسالة حثا على الإيمان ، إذ لم يقل : اتبعوا هؤلاء الرجال ، أو هؤلاء الذين جاءوكم ، كما أنه خاطبهم بقوم مضافا لنفسه اشارة الى أنه يحب لهم الخير لا الشر ، كما يحبه لنفسه وهو منهم ، وشرهم شر له ، وأنه ناصح لهم كما ينصح الإنسان بنفسه .

٣٬٧٢٥ / ٦٬٢٣٦