سورة ص · الآية ١٨ من ٨٨

‹ السورة السابقة
إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُۥ یُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِیِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ١٨
الرسم الإملائيّ

إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ

الجزء ٢٣الربع ١٨١ صفحة ٤٥٤

تفسيرها

[سورة ص — آية 18]

}إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ ﴿ للـدلالة على تجدد التسبيـح حالا بعد حال، ﴾بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً ﴿ أي: مجموعة إليه من كل جانب، ﴾كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) ﴿ كل واحد من الجبال والطير لأجل تسبيحه رجاع إلى التسبيح؛ والفرق بينه وبين ما قبله أنه يدل على الموافقة في التسبيح، وهذا على المداومة عليها؛ أو كل منها ومن داوود مرجع إلى الله التسبيح؛ ﴾وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ ﴿وقويناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود، ﴾وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴿ النبوة أو كمال العلم، وإتقان العمل، ﴾وَفَصْلَ الْخِطَابِ (20) { فصل الخصام، بتميز الحق عن الباطل، والكلام الملخص، الذي ينبه المخاطب من غير التباس، يراعى به مظان الفصل والوصل.

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٩٨٨

[سورة ص — آية 18]

قال : ﴿ إِنَّا سَخَّرنا الجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ ﴾ أي : حين تشرق الشمس .

ذكروا عن أيوب بن صفوان أن ابن عباس دخل على أم هانئ ، فأخبرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها فصلّى في بيتها ثمان ركعات بعدما ارتفع النهار . فخرج ابن عباس من عندها وهو يقول : لقد قرأت ما بين اللوحين فما عرفت صلاة الضحى إلا الساعة : ﴿ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالإِشْرَاقِ ﴾ وكنت أقول : أي صلاة صلاة الإِشراق ، ثم قال : هذه صلاة الإِشراق .

وذكروا عن زيد بن أرقم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل مسجد قباء فرآهم يصلّون حين إِشراق الشمس فقال : « إِن الأوَّابين كانوا يصلون إذا رمضت الفصال » .

قال الحسن : كان والله قد سخّر مع داوود جميع ما خلق الله من الجبال يسبّحن معه ، وكان يفقه تسبيحها وتسمعه جميع جبال الدنيا .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٩٨٨

[سورة ص — آية 18]

﴿ إنَّا سخَّرنا الجِبَالَ معَهُ ﴾ متعلق بسخرنا ، والمعنى متابعتها له فى التسبيح ، ولذلك لم يؤت باللام بدل مع ، كما أتى بها فى الريح لسليمان اذ كانت له بطريق ملكه لها ، واستعماله لها حيث شاء ، ومتى شاء وقدم مع فى سورة الأنبياء مسارعة لذكر داود ، إذ ذكر معه سليمان ومسارعة للتعيين ، وتعليق مع هنا بقوله : ﴿ يُسَبِّحن ﴾ أقرب منه فى سورة الأنبياء ، وليس للحصر لأنهن يسبحن أيضا بغير حضرة داود ، بل على طريق الاهتمام بالمعية ، والله لا يهتم حاشاه ، والمراد الترجيح وتسبيحهن بنطق اذا شاء الله سبحانه أسمعه احداكما ، سمع تسبيح الحصا فى يده صلى الله عليه وسلم ، ثم فى يد الصديق رضى الله عنه ، وقيل : تسبيحهن وجودهن بايجاد الله لهن ، وخضوعهن لما يكون عليهن ، ويضعف قوله :

﴿ بالعَشىِّ والإِشْراق ﴾ الا أن يريد بهما عموم الأوقات ، بل الأظهر أن المراد العموم ، كان التسبيح منهن تطبيقا أو حاليا ، هكذا يسبحن اذا سبح ، ويزدن وحدهن ، والمضارع للتجدد ، والجملة حال من الجبال ، أو مستأنفة لبيان الوقت ، وتتقوى الحالية بمقابلة محشورة ، والعشى من زوال الشمس الى الصبح ، والاشراق مصدر أشرقت ، أى صفا ضوؤها ، وذلك وقت ارتفاعها عن الأفق أفق البلد ، وهو الضحى الصغير ، وفيه صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ﴿ هذه صلاة الاشراق ﴾ سمى الوقت بالمصدر كما سمى بالإبكار ، ومر عن ابن عباس : أن كل تسبيح فى القرآن صلاة ما لم يمنع مانع ، فأخذ الضحى من الآية ، وتسبيح الجبال غير صلاة وتسبيح داود صلاة أو غيرها ، وهو حقيقة فى الكل ، ويقدم قول مثبتى صلاة الضحى ، فقدم على قول عائشة ، لأن الحافظ حجة ، ولا سيما مع كونه أكثر ، والمثبت مقدم على النافى ، وسنة الفجر والمغرب والعشاء والتراويح أفضل من صلاة الضحى ، وهى أفضل من غيرها .

وذكر ابن حجر أنه لا تسن صلاة الضحا جماعة ركعتين عقب الاشراق وقت خروج وقت الكراهية ، أى ولا سيما أكثر من ركعتين ، وفى الحديث : « صلى عام الفتح فى مكة صلاة الضحا ثمانى ركعات فى بيت أم هانىء بأربع تحيات وتسليم واحد كأخف ما يكون من صلاته بعد اغتسال » ويروى أنه كان يغتسل وفاطمة رضى الله عنها تستره ، وسلمة عليه أم هانىء فقال : « من هذه » ؟ « قالت : أنا أم هانىء ، فقال : » مرحبا بأم هانىء « فصلى ، وقال : » هذه صلاة الإشراق « اشارة الى ركعتين صلاهما فى بيتهما فى يوم آخر غير الثمانى ، والغسل فى بيتها ، وقيل فى غيره .

افتحه في القارئ · صفحة ٣٬٩٨٨